اخبار الاردن
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٦ تشرين الثاني ٢٠٢٦
الأردن لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى امتحان علني لسياسات الوقاية من التطرف قبل أن تقع الجريمة التالية
لم يكن الأردن قد انتهى بعد من وداع ضحايا الاعتداء الإرهابي على كنيسة القديس جاورجيوس في بلدة حمود بالكرك، حتى وجد نفسه، يوم الخميس الخامس من تشرين الثاني، أمام اعتداء جديد في قلب عمّان، أودى بحياة العريف جواد السلايطة أثناء تأدية واجبه. وبين جريمة استهدفت مواطنين اجتمعوا في مناسبة دينية، وأخرى استهدفت رجل أمن يقف لحماية الناس، لا يجوز القفز إلى استنتاج وجود غرفة عمليات واحدة، أو جهة خارجية تدير الهجومين، من دون دليل؛ لكن ثمة سؤالًا لا يحتاج إلى إثبات ارتباط تنظيمي بين الجريمتين حتى يصبح مشروعًا وملحًا: لماذا يظل الفكر التكفيري قادرًا على تحويل الإنسان، أحيانًا، إلى عدو لمجتمعه ودولته؟
ليس المطلوب أن نعيد تعداد ضحايا الإرهاب، ولا أن نتسابق في صياغة عبارات الغضب والإدانة؛ فالأردنيون لا يحتاجون إلى من يشرح لهم بشاعة استهداف المدنيين أو معنى التضحية التي يقدمها رجال الأمن، بل المطلوب أن ننتقل من مشهد الجريمة إلى ما يسبقه؛ السنوات التي تتشكل خلالها القناعات المتطرفة، والمؤسسات التي يفترض أن تتصدى لها، والسياسات التي أُعلنت باسم محاربتها، ثم نسأل بصراحة: ماذا تحقق منها، وماذا بقي حبيس الأدراج؟
في قضية الكرك، أعلنت النيابة العامة لمحكمة أمن الدولة في الثالث من تشرين الثاني استكمال التحقيق وإسناد سبع فئات من التهم إلى المتهمين، وبدأت المحكمة نظر القضية في اليوم التالي. وفي اعتداء عمّان، أعلنت مديرية الأمن العام القبض على المشتبه به، وأن التحقيقات الأولية تشير إلى نية مسبقة لاستهداف رجال الأمن. تلك تطورات تؤكد قدرة مؤسسات الدولة على التحرك القضائي والأمني، لكنها لا تمنحنا وحدها إجابة عن ظروف نشوء التطرف أو عن وجود صلات بين الحادثتين؛ فالتحقيق الجنائي يحدد المسؤولية عن فعل محدد، أما تقييم سياسة الوقاية فيبحث لماذا استطاعت الفكرة العنيفة أن تنمو قبل الفعل.
وهنا تحديداً تكمن المفارقة الأردنية؛ فالبلاد تمتلك أجهزة أمنية صاحبة خبرة طويلة في مواجهة الإرهاب، ومؤسسات دينية تتبنى خطاباً واضحاً في رفض التكفير، وتجربة تاريخية قاسية مع التنظيمات المتطرفة. ومع ذلك، لا يكفي تعداد ما تملكه الدولة من أدوات لإثبات فاعلية التنسيق بينها، إذ قد تنجح الأجهزة في القبض على المشتبه بهم، ويظل السؤال قائماً عما إذا كانت الوزارات والمدارس والمؤسسات الاجتماعية تمتلك منظومة قابلة للقياس لمنع الاستقطاب العنيف قبل تحوله إلى جريمة، وهذه ليست مطالبة بكشف أسرار أجهزة الأمن، وإنما بمحاسبة السياسات المدنية المعلنة ونتائجها.
وثيقة أردنية تسأل الدولة عن نفسها
من السهل مطالبة الحكومة اليوم بوضع استراتيجية جديدة، لكن الأصعب هو العودة إلى الاستراتيجيات التي وُضعت بالفعل؛ فقد أشار تقرير 'حالة البلاد: مكافحة التطرف'، الصادر عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي عام 2018 والمنشور على موقع رئاسة الوزراء، إلى أن العمل على استراتيجية بدأت عام 2012 لم يبلغ المستوى المنشود بسبب ضعف التنسيق، وأن الخطة الوطنية لعام 2014 لم تُستكمل، وأن نقل مسؤولية أحد هياكل مكافحة التطرف إلى وزارة الثقافة عام 2016 جرى، بحسب التقرير، دون مخصصات أو دعم كافيين، وهذه ليست اتهامات يطلقها خصوم الدولة؛ إنها ملاحظات مدونة في تقييم مؤسسي أردني منشور.
والإنصاف يقتضي ألا نحول تقريرًا صدر قبل ثماني سنوات إلى حكم نهائي على ما أنجزته المؤسسات حتى عام 2026؛ فمنذ ذلك الحين، قد تكون برامج قد تطورت، وأوجه قصور قد عولجت، وموارد قد أُعيد توزيعها، إذ تشير الوثيقة نفسها إلى دور مركز السلم المجتمعي في الأمن العام في الوقاية والتأهيل والتوعية، كما تؤكد وزارة الخارجية الأردنية حاليًا اعتماد نهج يشمل الجوانب الأمنية والتشريعية والفكرية، لكن كل ذلك يعزز السؤال ولا يلغيه: أين التقييم الوطني المحدّث الذي يبين بالأرقام ما نُفذ من الخطة، وما أثره، ومن المسؤول عن الفجوات التي لا تزال قائمة؟
هل يحتاج الأردن إلى استراتيجية إضافية، أم إلى قرار يُلزم الجهات المعنية بتنفيذ ما تقرر سابقاً، ويحدد لكل جهة واجباً وميزانية وموعداً ومؤشراً لقياس النتائج؟ إن أخطر ما يصيب السياسات العامة ليس غياب الخطط دائماً، بل كثرة الخطط التي لا يُعرف إن كانت قد غيّرت شيئاً على الأرض. وبعد حمود وعمّان، يصبح نشر حصيلة موضوعية لبرامج الوقاية، بما لا يمس الأمن الوطني أو خصوصية المواطنين، ضرورة لاستعادة الثقة بأن المواجهة ليست ردة فعل موسمية تعقب كل فاجعة.
الخطر الذي لا يحمل بطاقة تنظيمية
ثمة خطأ تحليلي يتكرر كلما وقعت جريمة إرهابية؛ البحث فورًا عن اسم التنظيم، ثم اعتبار عدم العثور عليه دليلًا على أن الخطر محدود. والواقع أن بعض أشكال التطرف العنيف قد تتحول إلى أفعال دون تكليف تنظيمي مباشر، كما يمكن لأفراد أن يستلهموا سرديات تكفيرية متداولة دون أن يكونوا أعضاء في خلية معروفة، وهذا احتمال تدرسه الأجهزة المختصة، وليس وصفًا ثبت انطباقه على المتهم في عمّان. ولذلك فإن معرفة مسار التأثر الفكري والاجتماعي للمعتدي لا تقل أهمية عن التحقق من أي صلات تنظيمية، من دون أن تحل التحليلات محل أدلة التحقيق.
التكفيري لا يبدأ بالضرورة بعداء رجل الأمن أو رفض وجود كنيسة؛ الأخطر أنه يتبنى، تدريجيًا، تصورًا يمنح نفسه أو جماعته حق تحديد من يستحق الحياة والقبول داخل المجتمع، ومن لا يستحقهما. وعندما تصبح هذه القناعة مبررًا للعنف، ينهار الحاجز الأخلاقي الذي يحمي المدني ورجل الأمن وصاحب الرأي المختلف معًا. وهنا يتعين تفكيك آليات شرعنة الاعتداء، لا الاكتفاء بمجادلة الشعارات بعد أن تتحول إلى أفعال. والرد الفكري المطلوب لا يقتصر على محاضرة عابرة، بل يبدأ بتعليم يربي على التفكير والمساءلة واحترام التنوع ويرفض احتكار الحقيقة الدينية.
لكن من الخطأ أيضاً اختزال التطرف في الفقر أو البطالة، أو التعامل مع كل متدين محافظ باعتباره مشروع خطر أمني، فلا توجد سيرة اجتماعية واحدة للإرهابي، ولا تؤدي الظروف الاقتصادية الصعبة تلقائياً إلى العنف، بل ينشأ الخطر عندما تتداخل عوامل شخصية واجتماعية وفكرية مع تبرير استخدام العنف. والتمييز هنا ليس ترفاً حقوقياً؛ إنه شرط لنجاح الوقاية، لأن اتهام مجتمعات أو فئات كاملة يضعف الثقة التي تحتاج إليها المؤسسات لحماية الجميع.
الأمن ليس وحده في غرفة المسؤولية
إذا كانت وزارة الأوقاف قد وصفت منفذ اعتداء عمّان بأنه من أصحاب الفكر التكفيري المنحرف، فإن السؤال التالي ينبغي أن يتجه إلى أدوات التصدي لهذا الفكر قبل وقوع الجريمة؛ ماذا تعرف المؤسسات التعليمية عن فعالية المناهج في مواجهة الدعوات إلى الإقصاء؟ ماذا تقيس وزارة الشباب في برامجها؟ ما حجم المشاركة الحقيقية للأسر والمجتمعات المحلية؟ وهل لدينا آليات موثوقة تطلب من خلالها أسرة مساعدة مهنية عندما ترى انتقال أحد أفرادها نحو تبرير العنف، من دون أن تخاف من وصمة اجتماعية أو اتهام تلقائي؟
الوقاية ليست تجسساً متبادلاً بين المواطنين، ولا تحويل المعلم إلى محقق أو الأسرة إلى جهاز مراقبة، بل إنها خدمات إرشاد ودعم وتدخل مهني تحترم القانون، وتفصل بين الرأي، ولو كان متشدداً، وبين التهديد الفعلي أو التحريض على الاعتداء. وما يحتاج إلى استجابة أمنية تتعامل معه الأجهزة المختصة وفق الأدلة والاختصاص القضائي، أما ما يمكن معالجته بالحوار والتعليم والدعم الاجتماعي فلا ينبغي أن يتحول تلقائياً إلى ملف اتهام. بهذه الحدود وحدها تصبح المشاركة المجتمعية مصدراً للثقة، لا باباً للخوف.
ولعل من المناسب أن تقود الحكومة مراجعة مستقلة تشارك فيها الجهات الأمنية والقضائية والتربوية والدينية والباحثون المختصون، يكون موضوعها فاعلية السياسات لا تفاصيل التحقيقات السرية. يُسأل المسؤولون فيها عن مؤشرات ملموسة؛ البرامج التي نُفذت، ومدى وصولها إلى الفئات المستهدفة، وجودة تدريب العاملين، وحالات التدخل المبكر التي جرت وفق ضوابط مهنية، ونتائج تقييمها المستقل. كما ينبغي مراجعة برامج التأهيل داخل المؤسسات الإصلاحية وخارجها، حتى لا يصبح انتهاء العقوبة بداية دورة جديدة من العزلة والاستقطاب.
من حق المجتمع أن يعرف ما تحقق، ومن واجب الدولة أن تعرف ما لم يتحقق، ولا يكفي إعلان عدد الندوات أو الدورات باعتباره دليلًا على نجاح البرنامج؛ فالمؤشر الحقيقي هو التغير الموثق في السلوك والاتجاهات، وقدرة المؤسسات على تقديم مساعدة مبكرة، وانخفاض قابلية الفئات المعرضة للاستقطاب للاستجابة للدعوات العنيفة، وهذه مؤشرات تحتاج إلى منهجية دقيقة وتقييم مستقل، لا أرقام علاقات عامة.
والمواجهة الفكرية لا تناقض الحزم الأمني؛ فالقانون الذي يحاسب مرتكب الجريمة هو نفسه الذي ينبغي أن يحمي مواطناً بريئاً من الاتهام لمجرد قرابة أو موقف ديني أو رأي سياسي. وربما كانت هذه إحدى الرسائل الأعمق في التجربة الأردنية؛ أن قوة الدولة لا تُقاس بقدرتها على العقاب وحده، بل بقدرتها على أن تبقى عادلة وهي تحمي نفسها. فكل خروج على سيادة القانون يمنح دعاة التطرف مادة يستغلونها، فيما تعزز العدالة المنجزة ثقة المواطنين بالأمن ومؤسساته.
من المحاسبة إلى الوقاية
وليس من الحكمة أن تُقرأ الجريمتان في إطار قصة أمنية واحدة قبل أن تتوافر أدلة مستقلة تسمح بذلك. فالبحث في الصلات المحتملة والتمويل والتحريض مسؤولية التحقيقات المختصة، لكن مساءلة فاعلية البرامج والمؤسسات التي تعهدت بمنع التطرف لا ينبغي أن تنتظر صدور الأحكام القضائية. ولا دليل منشور حتى الآن يجيز الجزم بأن هجوم حمود واعتداء عمّان جزء من مخطط واحد؛ وما لم تكشف التحقيقات خلاف ذلك، لا يصح أن نستبدل نقص المعرفة باتهامات جاهزة لأطراف خارجية أو جماعات أو أفراد. إن قوة التحليل الأمني تبدأ من الانضباط أمام المجهول، لا من ملء فراغاته بالظنون.
كما أن المطلوب اليوم ليس لجنةً تُنشأ لامتصاص الغضب ثم تختفي، بل مراجعة محددة الأجل تنتهي إلى تقرير واضح عن المسؤوليات والإنجازات والثغرات، وخطة محدثة يُسأل كل وزير ومسؤول عن تنفيذ ما يخصه منها. وليكن السؤال الذي يُطرح بعد ستة أشهر: ما الذي تغير في الوقاية المبكرة، وتدريب الكوادر، وتقييم البرامج، وخدمات التأهيل، والتنسيق بين المؤسسات؟ إن لم نستطع الإجابة بالأدلة، فسنكون قد انتقلنا من جنازة إلى أخرى دون أن نعرف إن كنا اقتربنا من تقليص الخطر فعلًا.
استشهد جواد السلايطة وهو يؤدي واجبه، وسبقه ضحايا الكرك الذين دفعوا حياتهم ثمنًا لكراهية لا مكان لها في وطن يُفترض أن يتسع لجميع أبنائه، وأقل ما يستحقه هؤلاء ليس مزيدًا من الكلمات المرتفعة، بل سياسة تجعل حياة من سيأتي بعدهم أكثر أمنًا. للأردن الحق في أن يواجه الإرهاب بحزم لا تردد فيه، وللأردنيين الحق أيضًا في أن يسألوا عما أنجزته الدولة لمنع ولادة إرهاب جديد؛ فالحسم الذي ينتهي عند اعتقال الجاني ينصف الضحية أمام القضاء؛ أما الحسم الذي يراجع أخطاء الوقاية ويصححها، فهو الذي يحمي الضحية المقبلة من أن تكون هناك أصلًا.












































