اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٧ أيلول ٢٠٢٦
ساره المعيذر
من قلب عاصمة الجمال تتوسع الشراكات وتتوهج مع الدول الكبرى.. فمن باريس، وفي مشهد عابر في زمنه لكنه عميق في دلالته، حضرت السعودية والسودان معًا في صورة اختصرت الكثير مما قد تعجز الكلمات الطويلة عن التعبير عنه. مشهد تختصره المحبة بين الشعبين، وتحضره صورة الأمير محمد بن سلمان في وجدان الكثير من السودانيين؛ فالسودان حاضر بما يحمله شعبه من تقدير ووفاء، والسعودية حاضرة بمكانتها ومواقفها تجاه السودان وشعبه.
إنها علاقة لا تصنعها مناسبة مؤقتة، ولا ترتبط بظرف سياسي عابر، بل تستند إلى تاريخ من الأخوة وروابط راسخة لم تستطع الظروف المتغيرة أن تنال منها. ومن هنا تأتي المحبة بوصفها رسالة جميلة.. رسالة لا تحتاج دائمًا إلى البيانات الرسمية ولا إلى قاعات المؤتمرات، فقد تختصرها صورة يرفعها إنسان بعيدًا عن وطنه، أو كلمة امتنان صادقة، أو موقف يبقى في الذاكرة عندما تتغير الأحداث.
والعلاقات بين الشعوب، في نهاية المطاف، ليست اتفاقيات ومصالح فقط؛ فهناك رصيد إنساني تتراكم قيمته عبر السنوات، حتى يصبح جزءًا من الذاكرة المشتركة. ولعل العلاقة السعودية السودانية واحدة من النماذج التي تكشف كيف تستطيع الجغرافيا والتاريخ والثقافة والمواقف أن تصنع جسورًا إنسانية لا تهدمها الأزمات. فمن باريس.. حيث تتحدث الصورة.. يبدو المشهد بسيطًا حضور سوداني، وصورة لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ورسالة محبة وتقدير. لكن قيمة المشهد تأتي تحديدًا من عفويته ومن مكان حدوثه.
ففي باريس، بعيدًا عن الخرطوم والرياض، ظهرت علاقة إنسانية استطاعت أن تعبر الحدود. والصور العفوية التي تنتجها الشعوب تختلف كثيرًا عن الصور البروتوكولية لأنها تكشف شيئًا أعمق من العلاقات الرسمية. إنها تعكس الصورة الموجودة في الوجدان، وما تراكم في الذاكرة من مواقف وانطباعات. وهنا تتحول المحبة نفسها إلى شكل من أشكال الدبلوماسية الشعبية. فالدولة تستطيع أن تبني علاقات رسمية ناجحة، لكن بلوغها قلوب الشعوب يحتاج إلى شيء آخر: مواقف يتذكرها الناس، واحترام يشعرون به، وروابط اجتماعية تجعل العلاقة أقرب إلى الإنسان منها إلى السياسة..
السعودية والسودان.. جذور أعمق من اللحظة الراهنة.. لم تبدأ العلاقات بين السعودية والسودان مع الأزمات الأخيرة، وإنما تمتد جذورها عبر عقود طويلة من التواصل العربي والإسلامي والإنساني. ويمنح البحر الأحمر البلدين مساحة جغرافية مشتركة؛ فالساحلان السعودي والسوداني متقابلان على ممر بحري شكل تاريخيًا طريقًا للتجارة والسفر والحج والتواصل بين المجتمعات. وكان للحج والعمرة على وجه الخصوص أثر بالغ في توثيق الروابط الشعبية. فقد ظلت مكة المكرمة والمدينة المنورة وجهتين تسكنان الوجدان السوداني، مثلما شكل وجود السودانيين في المملكة عبر مراحل مختلفة مساحة للتعارف والتقارب الإنساني. وبمرور السنوات لم تعد العلاقات محصورة في الحكومات، وإنما تشكلت آلاف الروابط بين الأفراد والأسر والتجار والطلاب والعاملين. ولهذا، حين تمر إحدى الدولتين بظرف صعب، تظهر قيمة ذلك الرصيد التاريخي.
فالمواقف هي التي تمنح العلاقات معناها.. ويمكن للدول أن تتبادل عبارات الصداقة، لكن الاختبار الحقيقي للعلاقات يأتي عندما تواجه الشعوب الأزمات.
وقد كان للسعودية حضور متواصل تجاه السودان في محطات مختلفة، سواء على المستوى السياسي أو الإنساني، انطلاقًا من أهمية استقراره ووحدته وسلامة شعبه. ومع الأزمة السودانية الأخيرة، برز الدور السعودي في دعم المساعي الرامية إلى وقف القتال وتخفيف معاناة المدنيين، كما استضافت مدينة جدة محادثات بين طرفي الصراع في محاولة لفتح مسارات نحو التهدئة وحماية المدنيين وإيصال المساعدات الإنسانية. وتكشف هذه الجهود عن فلسفة مهمة في السياسة السعودية تجاه السودان. فأن استقرار السودان مصلحة سودانية وعربية وإقليمية، وأن الحل السياسي والحوار يمثلان الطريق الضروري للخروج من دائرة الصراع.
فالمحبة بين الدول لا تظهر فقط في أوقات الرخاء، وإنما تتجلى أكثر حين يحتاج الصديق إلى من يقف إلى جانبه. فالسودان في الوجدان.










































