اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢١ تشرين الأول ٢٠٢٦
د. تركي الفيصل الرشيد*
«اليوم ليس وقت الانتظار، بل وقت قراءة الأحداث بحكمة والعمل بإصرار.» «يبدأ النفوذ المستدام بالقوة الداخلية، لا بالمزيد من الالتزامات الخارجية غير المحدودة.»
«اليوم ليس وقت الانتظار، بل وقت قراءة الأحداث بحكمة والعمل بإصرار.»
«يبدأ النفوذ المستدام بالقوة الداخلية، لا بالمزيد من الالتزامات الخارجية غير المحدودة.»
من التشخيص إلى المواجهة
يبدأ العلاج السليم بالتشخيص الدقيق. فتجاهل المشكلات أو الهروب منها أو الاستسلام لها يجعلها أشد، بينما مواجهتها بوعي تفتح مسارين بنّاءين: الإلمام بالحل، أو الجهل مع الرغبة في التعلم. أما رفض التعلم فيُفضي إلى التجاهل أو الاستسلام.
جذور النفوذ بعد الحرب العالمية الثانية
بعد انهيار القوى الأوروبية، اجتمع أصحاب الثروات في الولايات المتحدة — وعلى رأسهم روكفلر ودوائر المال والطاقة — لرسم تصور جديد للسيطرة. دعموا أيزنهاور، وأسسوا وزارة الخارجية وجهازاً استخباراتياً يتبع الرئيس مباشرة (وكالة الاستخبارات المركزية لاحقاً). وكتاب ستيفن كينزر عن الأخوين دالاس يضيء جوانب مهمة من هذا المسار.
الصراع العربي-الإسرائيلي وتجارة الكوارث
ظل المستفيد الأكبر من استمرار النزاع تجار الكوارث والسلاح، وفي مقدمتهم المجمع الصناعي العسكري الأمريكي الذي حذّر من نفوذه أيزنهاور نفسه. قاعدة «اتبع المستفيد مالياً» تفسر كثيراً من الأحداث: تحريض قيادات عسكرية ودينية في الستينيات، وتغذية الصراعات بموجات الهجرة، ثم حرب أكتوبر 1973 التي حققت نصراً عربياً محدوداً لكنها ضمنت استمرار النفوذ الأمريكي. وقد لخّص ميشيل جوبير الأمر بأن المنتصر الحقيقي كان الولايات المتحدة، لا العرب ولا الإسرائيليين. وتبع ذلك صعود الليكود، ورسالة كارتر إلى السادات بأن هامش حركته محدود، وإشارة عيزر وايزمان إلى عقدة المهاجرين الأوروبيين، وتصريحات نيكسون بأن استمرار الصراع يخدم مصالح إسرائيل واليهود الأمريكيين.
السياسات الأمريكية بين الداخل والخارج
انحازت واشنطن مراراً إلى المصالح المركزة على حساب التحديات اليومية للمواطنين. خارجياً، ساهمت التدخلات والدعم الانتقائي في إضعاف أنظمة الحكم وانعدام أمن الموارد. داخلياً، ارتفع الدين وتعمّق الاستقطاب، وظهرت رأسمالية تُضعف التماسك الاجتماعي. وأدى ذلك في الغالبية العظمى من الدول العربية إلى حكومات فاشلة أو شبه فاشلة، باستثناء دول الخليج والسعودية.
تزاوج الرأسمالية مع الديمقراطية
تزاوجت الرأسمالية مع الديمقراطية في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، فأنتجت نظاماً يخدم الأثرياء ويهمل الغالبية. ويُجسّد ذلك تبرع إيلون ماسك بنحو 276 مليون دولار في الانتخابات النصفية الأمريكية — أحد أكبر التبرعات في التاريخ — الذي يعكس اندماج رأس المال المركز مع المنافسة الانتخابية، وذهاب العوائد بشكل غير متناسب إلى الأثرياء مقابل تزايد ديون الأسر وركود الأجور. وباتت الانتخابات منافسات بين المانحين، معززة «عقيدة الحتمية» التي تصوّر مخرجات التكنولوجيا والسوق خارجة عن التفاوض المدني.
الوضع الراهن في الولايات المتحدة
يشغل ترامب ولايته الثانية، والجمهوريون يسيطرون على المجلسين بأغلبية ضيقة في النواب. وتُعد انتخابات 3 نوفمبر 2026 الأبرز، مع استطلاعات تشير إلى تقدم الديمقراطيين. تبلغ نسبة موافقة ترامب نحو 33%، وتسيطر قضايا تكلفة المعيشة والتضخم. اقتصادياً، ينمو الاقتصاد بنحو 2% بدعم استثمارات الذكاء الاصطناعي، لكن التضخم مرتفع (3.7% في سبتمبر) بسبب أسعار الطاقة، والبطالة منخفضة مع ركود الأجور الحقيقية، والفائدة في نطاق 3.75–4%. الخلاصة: نمو مدفوع بالذكاء الاصطناعي يضغط عليه تضخم الطاقة في اختبار انتخابي صعب.
بريطانيا وفرنسا تحت الضغط
في بريطانيا، حكومة العمال برئاسة آندي بورنهام منذ يوليو 2026 مستقرة نسبياً رغم محدودية الرضا، والميزانية الخريفية في 28 أكتوبر اختبار كبير، وحزب الإصلاح بقيادة فاراج منافس قوي. النمو نحو 1.3% مدعوم جزئياً بالذكاء الاصطناعي، مع تضخم طاقة مرتفع وتكاليف اقتراض عالية. وفي فرنسا، ماكرون في الأشهر الأخيرة من ولايته، والحكومة هشة بلا أغلبية مستقرة، والاحتجاجات تحولت إلى عنف، ومارين لوبان تتقدم في الاستطلاعات. النمو ضعيف جداً (0.4%)، والعجز مرتفع، والدين 115–119% مرشح للارتفاع.
أرقام الدين العام ودلالاتها
تبلغ نسبة الدين إلى الناتج نحو 124% في الولايات المتحدة، و119% في فرنسا، و94% في بريطانيا. عند تجاوز 100% يصبح الدين معادلاً أو أكبر من حجم الاقتصاد السنوي. والدول الثلاث تنفق أكثر مما تجمع، مع ارتفاع تكاليف الاقتراض.
مرحلة انتقالية وماذا نفعل؟
نمرّ بمرحلة انتقالية دقيقة. فقد حافظت الولايات المتحدة وأبرز حلفائها على هيمنتها عبر دعم الصراعات والحروب والانقلابات، ومساندة قيادات عاجزة عن تحقيق الحد الأدنى من التنمية، فتحوّلت كثير من الدول إلى كيانات فاشلة أو شبه فاشلة، وباتت بيئة خصبة للعصابات والمليشيات المدعومة إقليمياً.
ما الذي يجب علينا فعله؟ أولاً، قراءة الأحداث بعين مستقلة، متسلحين بحكمة الآباء والأجداد، وبصيرة عميقة، وقياس دقيق، ونظرية التثليث لاختيار أقل الضررين أو أنفع الخيرين. فالرؤية الاستراتيجية وتنمية القوى الوطنية هما السلاح الحقيقي. وحين نقرأ الأحداث بلا عواطف زائفة، يقودنا التخطيط الناجح إلى المستقبل الذي نطمح إليه فيصبح واقعاً نعيشه. فالعلاقات الدولية لا تحكمها العواطف، بل المصالح وموازين القوى المتغيرة. وعلى دول مجلس التعاون أن تقرأ المشهد بعمق، وتدرس واقعها ومستقبلها، وتعيد تقييم تحالفاتها بجرأة وحكمة. المصالح تتبدل والموازين تتغير، مهما زُيّنت بالتصريحات البراقة. فلنعتمد على مكامن قوتنا الحقيقية، ونعد الخطط والبدائل، ونتعلم من التاريخ قبل فوات الأوان. والسعودية تقود بثبات نحو التنمية المستدامة، ملتزمة بأهداف الأمم المتحدة السبعة عشر، لبناء مستقبل مزدهر للجميع لا لفئة محدودة.
التعاون متعدد الأطراف بدل الحتمية
في القضايا العابرة للحدود — كالتكنولوجيا والطاقة والأمن — يبقى التعاون المستمر بين مراكز قوى متعددة خياراً أكثر واقعية من افتراض أن تحالفاً واحداً يمكنه صياغة قواعد دائمة للجميع. فالحتمية ليست حقيقة طبيعية، بل خيار يعكس من يُعتد بصوته ومن يُستبعد.
سبع طرق عملية على المستوى الفردي
معرفة المشكلة نصف الحل. وثمة سبع طرق عملية لإحداث فرق: الانضمام إلى مجموعة لخلق تأثير أكبر، والتركيز على الصورة الكبرى في القضايا المعقدة، والحفاظ على التنوع واستقطاب الأفضل من كل مكان، وسرد قصة مقنعة لإشراك الآخرين، وفضح الأكاذيب الكبرى ونشر الوعي، والالتزام بآداب وسائل التواصل بنبرة محترمة وبناءة، واستثمار قوة الأمل الذي يغذي الدافع للتغيير. معاً يمكننا خلق تأثير متجدد، وأن نكون التغيير الذي نرغب في رؤيته.
الواقعية المشروطة وفن المسافات
الواقعية مطلوبة والحروب مكلفة. وقد أثبتت دول مجلس التعاون قدرتها على إدارة خلافاتها بفن المسافات دون أن تتحول الاختلافات إلى انقسامات. غير أن الواقعية لا تعني القبول بكيان يرفض منطق الدولة ويرفض الشراكة ويستغل الانفتاح لبناء قدرات هجومية. فالنجاح يتطلب قراءة دقيقة للسلوك الفعلي لا للشعارات، ووضع شروط واضحة للتحول من تنظيم مسلح إلى سلطة مسؤولة، مع الإبقاء على الردع ما دام ذلك لم يتحقق. وقوة دول المجلس تكمن في الاتفاق على الحد الأدنى المشترك — أمن الممرات والمصالح الإقليمية — . إن فشل الدول خلق عصابات قوية تملك أسلحة حديثة يمكن تصنيعها محلياً.
الخاتمة: الوقت وقت العمل
في زمن المتغيرات، إما أن نقرأ الأحداث ببصيرة أو نقع في فخ المصالح المتقلبة. اليوم ليس وقت الانتظار، بل وقت قراءة الأحداث بحكمة والعمل بإصرار. فلنعتمد على مكامن قوتنا الحقيقية، ونبني القوة الوطنية التي تصمد أمام المتغيرات.
• أستاذ زائر في جامعة أريزونا، توسان، الولايات المتحدة، ومستشار في الجامعة الأمريكية ببيروت. مؤلف كتاب «تحوّل المملكة العربية السعودية: عدم اليقين والاستدامة» (رودليدج، 2026)










































