اخبار الاردن
موقع كل يوم -زاد الاردن الاخباري
نشر بتاريخ: ٩ أيلول ٢٠٢٦
زاد الاردن الاخباري -
كتب : الدكتور احمد الوكيل - في لحظات الاستقرار تستطيع الدول أن تتحمل كثيراً من الاختلافات والضجيج والمناكفات، لكن عندما تشتعل المنطقة من حولها، وتسقط الصواريخ، وتتسع ساحات المواجهة، يصبح هناك شيء لا يقل أهمية عن قوة الجيش والدفاعات الجوية والقدرة الأمنية:
الجبهة الداخلية.
والأردن اليوم يعيش وسط واحدة من أكثر البيئات الإقليمية اضطراباً وتعقيداً.
حرب وتصعيد إلى الشرق، إسرائيل وسياساتها إلى الغرب، اضطرابات إقليمية متلاحقة، صواريخ وطائرات مسيرة تعبر سماء المنطقة، وحملات إعلامية وروايات متضاربة تحاول كل جهة من خلالها تفسير الأحداث بما يخدم مصالحها.
وفي مثل هذه الظروف، لا تكون كل المعارك عسكرية.
هناك معركة على المعلومة.
ومعركة على الثقة.
ومعركة على وعي المواطن.
ومعركة أخطر ربما لا يسمع فيها صوت انفجار واحد:
محاولة إدخال الشك بين الأردني ومؤسسات دولته.
وهنا تحديداً تظهر قوة الأردن.
فالجبهة الداخلية الأردنية لم تتشكل أمس، ولم تُبنَ بقرار حكومي أو حملة إعلامية.
هي نتاج علاقة تاريخية طويلة بين الدولة والمجتمع، ووعي تراكم عبر أزمات وحروب واضطرابات مرت بها المنطقة، فيما استطاع الأردن في كل مرة أن يحافظ على تماسكه واستقراره.
وهذا لا يعني أن الأردنيين يتفقون على كل شيء.
ولا ينبغي لهم أن يفعلوا.
نختلف على الحكومة.
نختلف على قرارات اقتصادية.
نختلف على قوانين.
نختلف على أداء مسؤول.
ونختلف في تقييم السياسات الداخلية والخارجية.
لكن هناك فرقاً كبيراً بين الاختلاف داخل الوطن والاختلاف على الوطن.
الأول طبيعي وصحي.
أما الثاني فهو تحديداً ما تراهن عليه أي جهة تريد إضعاف دولة من الداخل.
عندما تعجز عن اختراق الحدود.. حاول اختراق الثقة
الحروب الحديثة لم تعد تبدأ دائماً بالدبابة.
قد تبدأ بمنشور.
أو مقطع فيديو مبتور.
أو تسجيل مجهول.
أو «مصدر مطلع» لا يعرفه أحد.
أو رواية تقول إن مؤسسة ما مخترقة، أو إن مسؤولاً يتعاون مع جهة خارجية، أو إن الدولة تخفي شيئاً عن مواطنيها.
ثم تبدأ العملية الأخطر:
ليس المطلوب أن يصدق الجميع الرواية.
يكفي أن يبدأ الناس بالسؤال:
«ماذا لو كانت صحيحة؟»
من هنا تدخل الشائعة.
ومن هنا يبدأ الاستهداف النفسي.
ولهذا يجب التعامل بحذر شديد مع الروايات التي تتناول المؤسسات الأمنية والعسكرية الأردنية، خصوصاً في أوقات الحروب والتوترات الإقليمية.
ليس لأن هذه المؤسسات فوق السؤال أو النقد.
بل لأن الادعاء الخطير يحتاج إلى دليل بحجم خطورته.
لا يجوز أن يصبح كل شخص يحمل هاتفاً مصدراً للمعلومات الأمنية.
ولا أن تتحول مواقع التواصل الاجتماعي إلى غرف عمليات مفتوحة تتداول مواقع وتحركات ومعلومات غير موثقة.
ولا أن يصبح المواطن ناقلاً مجانياً لرواية قد تكون صُنعت أصلاً في الخارج.
قوة الأردن ليست عسكرية فقط
للأردن جيش محترف وأجهزة أمنية ودولة ذات خبرة طويلة في التعامل مع بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
لكن هناك سلاحاً لا تستطيع أي دولة شراءه من الخارج:
ثقة شعبها بها في ساعة الخطر.
يمكن شراء طائرة.
ويمكن شراء منظومة دفاع جوي.
ويمكن تطوير الرادارات.
لكن لا يمكنك شراء مجتمع يلتف حول دولته عندما يشعر أن أمنه مهدد.
هذه تُبنى عبر السنين.
والأردني، مهما اشتكى من الأسعار أو الخدمات أو البيروقراطية أو أداء حكومة، يعرف بالفطرة تقريباً أن هناك لحظة تنتهي فيها الشكوى اليومية ويبدأ السؤال الأكبر:
هل الأردن بخير؟
عندها تختلف الحسابات.
وهذه إحدى أهم عناصر القوة في الدولة الأردنية.
لكن الوحدة الوطنية لا تعني الصمت
وهنا يجب أن نكون دقيقين جداً.
الدعوة إلى تماسك الجبهة الداخلية لا يجوز أن تتحول إلى ذريعة لمنع النقد.
فالمواطن الذي ينتقد الحكومة ليس خطراً على الجبهة الداخلية.
والصحفي الذي يكشف خللاً لا يخدم عدواً.
والنائب الذي يسائل مسؤولاً لا يضعف الدولة.
والأردني الذي يعارض قراراً رسمياً لا يصبح أقل وطنية.
بل إن الدولة القوية هي التي تستطيع أن تفرق بين النقد الذي يصلح الخلل، والمعلومة الكاذبة التي تريد هدم الثقة.
وهذه مسألة جوهرية.
الوحدة الوطنية لا تعني أن يفكر 11 مليون أردني بالطريقة نفسها.
ولا أن يحبوا الحكومة نفسها.
ولا أن يصوتوا للحزب نفسه.
ولا أن يقرأوا الأحداث الإقليمية بالطريقة نفسها.
الوحدة الوطنية تعني أن نختلف تحت سقف واحد، وأن يبقى الأردن نفسه خارج الخلاف.
نختلف على إدارة الدولة، ولا نختلف على حماية الدولة.
لا مكان لتقسيم الأردنيين في لحظة الخطر
ومن أخطر الأدوات التي تستخدم في استهداف المجتمعات محاولة تقسيمها إلى هويات أصغر.
أصل ومنبت.
مدينة وقرية.
شمال وجنوب.
شرق وغرب.
أردني وفلسطيني الأصل.
عشيرة وأخرى.
مسلم ومسيحي.
حزب وغير حزبي.
هذه التصنيفات موجودة اجتماعياً وسياسياً، لكنها تتحول إلى سلاح عندما يستخدمها أحد لإقناع الأردني بأن مواطنه الآخر أقل انتماءً منه.
وهنا يجب أن يكون الرد واضحاً:
الأردن لا يُحمى بنصف شعبه.
ولا يوجد أمن وطني لفئة دون أخرى.
الصاروخ إذا سقط لا يسأل المواطن عن أصله.
والأزمة الاقتصادية لا تختار عائلة دون أخرى.
والخطر الخارجي عندما يأتي، يأتي إلى الدولة كلها.
ولهذا فإن أي خطاب يحاول إعادة الأردنيين إلى أسئلة الهوية الفرعية في لحظة إقليمية حساسة يقدم ـ بقصد أو من دون قصد ـ خدمة لمن يريد إضعاف الجبهة الداخلية.
القضية الفلسطينية ليست مدخلاً للفتنة الأردنية
وهنا توجد نقطة شديدة الحساسية.
الأردن وفلسطين مرتبطان بجغرافيا وتاريخ وعائلات ومصالح ومصير سياسي لا يمكن فصلهما.
لكن هذا الارتباط استُخدم أحياناً لمحاولة زرع أسئلة خبيثة داخل المجتمع الأردني.
وكأن الدفاع عن فلسطين يتعارض مع الدفاع عن الأردن.
أو كأن حماية الأردن تعني التخلي عن فلسطين.
وهذه معادلة زائفة.
قوة الأردن مصلحة فلسطينية.
ووجود دولة أردنية مستقرة وقوية هو أحد أهم خطوط الدفاع السياسية عن القضية الفلسطينية.
وفي المقابل، منع تصفية القضية الفلسطينية والتهجير والدفاع عن حق الفلسطينيين في دولتهم هو مصلحة وطنية أردنية مباشرة.
لذلك لا ينبغي السماح لأي طرف بأن يجعل فلسطين أداة لتقسيم الأردنيين.
وكذلك الموقف من إيران
يمكن للأردني أن يؤيد إيران في موقف ويختلف معها في آخر.
يمكن أن يعارض السياسة الأميركية.
يمكن أن يرفض السياسات الإسرائيلية بشدة.
هذه مواقف سياسية مشروعة.
لكن عندما يدخل صاروخ المجال الجوي الأردني أو يهدد الأراضي الأردنية، تنتهي مسألة الاصطفاف العاطفي.
هنا يصبح السؤال:
هل هُدد الأردن؟
إذا كانت الإجابة نعم، فالدولة ملزمة بالدفاع عنه.
ليس دفاعاً عن واشنطن.
ولا عن تل أبيب.
ولا ضد طهران كهوية سياسية.
بل دفاعاً عن الأرض الأردنية.
وهذا الخط يجب أن يبقى واضحاً في النقاش العام.
أخطر اختراق هو أن نفقد الثقة ببعضنا
الاختراق الأمني يمكن كشفه.
الجاسوس يمكن القبض عليه.
الشبكة يمكن تفكيكها.
لكن ماذا عن اختراق الوعي؟
ماذا لو أصبح المواطن يصدق كل شيء إلا مؤسسات بلده؟
ماذا لو أصبح الخبر القادم من حساب مجهول أكثر ثقة لديه من البيان الرسمي؟
ماذا لو بدأ الأردني يشك في الأردني الآخر بسبب أصله أو رأيه السياسي؟
هذا أخطر بكثير.
لأن الدولة عندها تضطر إلى الدفاع عن نفسها داخل عقل مواطنها قبل أن تدافع عن حدودها.
ولهذا فإن حماية الجبهة الداخلية مسؤولية مشتركة.
على المواطن ألا يكون ناقلاً للشائعة.
وعلى الإعلام ألا يطارد «الترند» على حساب الأمن والمهنية.
وعلى المسؤول ألا يترك فراغاً معلوماتياً تملؤه الشائعات.
وعلى الحكومة أن تقول الحقيقة بسرعة، حتى عندما تكون الحقيقة غير مريحة.
فالثقة مسؤولية متبادلة.
لا يمكن أن نطلب من المواطن أن يثق، ثم نحجب عنه المعلومة التي يمكن إعلانها.
كلما كانت الرواية الرسمية سريعة ودقيقة وصريحة، ضاقت المساحة أمام الرواية المجهولة.
لدينا خلافات.. وهذا طبيعي
ليس المطلوب تجميل الواقع.
لدينا بطالة.
ولدينا ضغوط اقتصادية.
ولدينا أخطاء إدارية.
ولدينا ملفات تحتاج إلى إصلاح.
ولدينا مواطن غاضب أحياناً من قرار أو خدمة أو مسؤول.
لكن الدولة التي تعترف بمشكلاتها لا تصبح أضعف.
بالعكس.
الخطر الحقيقي يبدأ عندما يحاول أحد إقناع الأردني بأن كل مشكلة تعني أن الدولة فشلت، وكل خطأ يعني أن المؤسسة فاسدة، وكل اختلاف يعني أن المجتمع منقسم.
الدول ليست كاملة.
لكن الفرق بين الدولة القوية والضعيفة هو قدرة الأولى على معالجة أخطائها من دون أن تهدم نفسها أثناء الإصلاح.
الجيش يحمي الحدود.. والمجتمع يحمي الظهر
في لحظة إقليمية كهذه، ينظر الأردنيون إلى قواتهم المسلحة وهي تراقب السماء والحدود.
لكن الجندي الذي يقف على الحدود يحتاج أيضاً إلى شيء من خلفه:
مجتمع متماسك.
لا شائعة تربكه.
ولا فتنة تشغله.
ولا خطاب كراهية يقسم الناس الذين يدافع عنهم.
ولا مزاودة على وطنيته.
ولهذا فإن الوحدة الوطنية ليست شعاراً للمناسبات.
إنها جزء من منظومة الأمن الوطني.
الدبابة تحمي الحدود.
والدفاع الجوي يحمي السماء.
والأمن يلاحق الاختراق.
أما المجتمع المتماسك فيمنع الخصم من العثور على الباب الذي يدخل منه.
الأردن مرّ بما هو أصعب
هذه الدولة عاشت حروباً على حدودها، وموجات لجوء، وإرهاباً، وأزمات اقتصادية، وانهيارات لدول مجاورة، وانتفاضات إقليمية، وحروباً في العراق وسوريا وفلسطين، وظلت قائمة.
ليس لأنها لم تواجه الأخطار.
بل لأنها امتلكت في اللحظات الحاسمة قدرة على العودة إلى المشترك الأردني.
وهذا المشترك يجب ألا يصبح مجرد ذكرى نلجأ إليها في الأزمات.
يجب حمايته كل يوم.
بالعدالة.
وبالقانون.
وبتكافؤ الفرص.
وبالإعلام المسؤول.
وبالشفافية.
وباحترام الاختلاف.
لأن الوحدة الوطنية لا تُصنع بالخطب وحدها.
الوحدة التي تريدها في الحرب عليك أن تبني أسبابها في السلم.
وفي هذه اللحظة.. الرسالة بسيطة
يمكن أن نختلف حول أميركا.
ونختلف حول إيران.
ونختلف حول إسرائيل.
ونختلف حول الحكومة.
ونختلف حول البرلمان والأحزاب والاقتصاد والسياسة الخارجية.
لكن هناك شيئاً لا يحتمل المنطقة الرمادية:
أمن الأردن وسيادته ووحدة مجتمعه.
ومن يريد استهداف الأردن قد يمتلك صاروخاً.
وقد يمتلك منصة إعلامية.
وقد يمتلك حسابات إلكترونية.
وقد يحاول صناعة رواية أو إشاعة أو فتنة.
لكن السلاح الذي يصعب عليه مواجهته هو أن يجد الأردنيين مختلفين في آرائهم، نعم، لكنهم يقفون صفاً واحداً عندما يتعلق الأمر بوطنهم.
فالجبهة الداخلية الأردنية لا تصبح عصية على الاختراق لأننا نقول ذلك.
تصبح عصية عندما يعرف كل أردني أن اختلافه مع أخيه لا يحوله إلى خصم، وأن نقده للحكومة لا يجعله عدواً للدولة، وأن وطنه يتسع لاختلافه ويحمي حقه ويحتاج إليه.
وعندها فقط تصبح العبارة أكثر من شعار:
الجيش يحمي حدود الأردن، والأردنيون بوحدتهم يحمون الأردن من الداخل.
وفي زمن قد تستطيع فيه الصواريخ عبور مئات الكيلومترات في دقائق، تبقى هناك مسافة واحدة يجب ألا يستطيع أحد عبورها:
المسافة بين الأردني والأردني.












































