اخبار الاردن
موقع كل يوم -زاد الاردن الاخباري
نشر بتاريخ: ٢ تشرين الأول ٢٠٢٦
زاد الاردن الاخباري -
كتب : الدكتور احمد الوكيل - هناك شريحة واسعة من الأردنيين لا تقف في طوابير المساعدات، ولا تظهر عادة في قصص الفقر، ولا تطلب دعماً مباشراً من الدولة. أفرادها يذهبون إلى أعمالهم كل صباح، يدفعون أقساط منازلهم وسياراتهم، يعلمون أبناءهم، يسددون فواتيرهم ويحاولون المحافظة على مستوى حياة اعتادوا عليه. من الخارج تبدو الصورة مستقرة، لكن خلف أبواب كثير من البيوت توجد معادلة مالية أصبحت أكثر صعوبة: دخل يأتي في موعده، والتزامات تصل قبله أحياناً.
إنها الطبقة الوسطى؛ الشريحة التي لا تعلن أزمتها بسهولة، وربما لهذا تحديداً لا تحظى مشكلاتها بالقدر نفسه من الاهتمام.
فليس كل من لا يطلب المساعدة مرتاحاً، وليس كل من يمتلك سيارة ومنزلاً أو يتقاضى راتباً شهرياً قادراً بالضرورة على الادخار أو مواجهة مصروف مفاجئ. هناك فارق كبير بين أن تستطيع الأسرة دفع التزاماتها، وبين أن تتمتع بأمان مالي يسمح لها بالتخطيط للمستقبل.
وهذه المسافة هي التي يجب أن ننتبه إليها.
الأسرة التي لا تصنف فقيرة قد تكون هشة مالياً
الحديث عن الطبقة الوسطى يحتاج إلى الابتعاد عن الصورة التقليدية التي تقسم المجتمع إلى فقير وغني، وبينهما مجموعة واسعة يفترض أنها بخير.
الحياة أكثر تعقيداً من ذلك.
قد يكون الأب والأم موظفين، لكن لديهما قسط منزل، وقسط سيارة، وأبناء في الجامعات أو المدارس، وكلفة نقل وطاقة واتصالات وغذاء وعلاج والتزامات اجتماعية. وبعد توزيع الراتبين على هذه البنود، قد لا يتبقى ما يكفي لبناء مدخرات حقيقية.
الأسرة هنا ليست فقيرة بالمعنى التقليدي، لكنها قد تكون على بعد حدث واحد غير متوقع من أزمة مالية.
إصلاح كبير للسيارة.
عملية طبية.
فقدان وظيفة.
فصل جامعي إضافي.
حاجة أحد الوالدين للعلاج.
أي واحد من هذه الأحداث يستطيع أن يهز موازنة أسرة بدت قبل أيام مستقرة تماماً.
وهذا ما يمكن أن نسميه الهشاشة المالية؛ أن تكون قادراً على إدارة الشهر الطبيعي، لكنك غير مستعد للشهر غير الطبيعي.
المشكلة تبدأ عندما يصبح الادخار ترفاً
الطبقة الوسطى تاريخياً ليست مجرد فئة استهلاكية. قوتها تأتي من قدرتها على الادخار والتعليم والتملك والاستثمار وتحسين حياة الجيل التالي.
الموظف يدخر ليشتري منزلاً.
والأسرة تدخر لتعليم أبنائها.
وصاحب المهنة يدخر ليفتح مشروعاً.
والشاب يدخر للزواج.
عندما يختفي الادخار من هذه المعادلة ويتحول الدخل كله تقريباً إلى تغطية النفقات الجارية، يبدأ شيء مهم بالتغير.
الأسرة تستمر في الحياة، لكنها تفقد قدرتها على بناء المستقبل.
وهذه أخطر من مجرد ضائقة مؤقتة.
لأن الاقتصاد يحتاج إلى أسر لا تستهلك فقط، بل تستطيع الادخار والاستثمار وتحمل قدر محسوب من المخاطرة.
الطبقة الوسطى لا تسقط فجأة
في الغالب لا تستيقظ الأسرة ذات صباح لتكتشف أنها فقدت موقعها الاقتصادي دفعة واحدة. التراجع يحدث بصمت وعلى مراحل.
في البداية تتوقف الرحلة السنوية.
ثم يؤجل تغيير السيارة.
ثم تقل الزيارات إلى المطاعم.
ثم يصبح شراء الملابس أكثر حساباً.
ثم يتوقف الادخار.
ثم تستخدم المدخرات القديمة لتغطية المصاريف.
ثم تدخل بطاقة الائتمان أو القرض لتغطية فجوة كان يغطيها الدخل سابقاً.
كل قرار بمفرده قد يبدو عادياً، لكن اجتماعها يرسم تحولاً اجتماعياً واقتصادياً مهماً.
ولهذا لا ينبغي قياس صحة الطبقة الوسطى فقط بالسؤال عما إذا كانت قادرة على شراء الطعام أو دفع الكهرباء.
السؤال الأدق: هل تستطيع هذه الأسرة أن تتقدم؟
أخطر ما يمكن أن تفقده الأسرة هو القدرة على الصعود
الأب والأم يتحملان كثيراً إذا اعتقدا أن أبناءهما سيعيشون حياة أفضل.
هذه واحدة من أهم الأفكار التي قامت عليها الطبقة الوسطى في مجتمعات كثيرة: أعمل اليوم كي يكون ابني أفضل مني غداً.
لكن عندما يصبح الشاب الجامعي بعد سنوات من التعليم غير قادر على العثور على فرصة مناسبة، أو يحتاج إلى سنوات طويلة حتى يستطيع تأسيس منزل مستقل، يبدأ القلق في الانتقال من الاقتصاد إلى الاجتماع.
المشكلة هنا ليست راتب الأب فقط.
إنها السلم الاجتماعي نفسه.
هل يستطيع ابن الأسرة محدودة الدخل أن يصعد بالتعليم والعمل؟
وهل يستطيع ابن الطبقة الوسطى أن يحافظ على مستوى أسرته أو يتجاوزه؟
كلما أصبحت الإجابة أصعب، ازدادت الضغوط على المجتمع.
الوظيفة لم تعد وحدها ضماناً للأمان
كان الحصول على وظيفة مستقرة بالنسبة إلى أجيال سابقة نقطة تحول كبرى؛ بعدها يستطيع الإنسان الزواج والتخطيط للمنزل وبناء حياته تدريجياً.
اليوم أصبحت المعادلة أكثر تعقيداً.
السؤال لم يعد: هل تعمل؟
بل: كم يساوي دخلك أمام كلفة الحياة التي تعيشها؟
قد يعمل الإنسان بدوام كامل ويبقى تحت ضغط مالي مستمر. وقد يكون في أسرة يعمل فيها شخصان، لكن السكن والنقل والتعليم والالتزامات الأخرى تمتص معظم الدخل.
وهذا يعني أن سياسات سوق العمل يجب ألا تركز على عدد الوظائف فقط، بل على جودة الوظيفة وإنتاجيتها وقدرتها على توفير دخل يسمح بحياة مستقرة.
وظيفة لا يستطيع صاحبها بناء مستقبل من دخلها تحل جزءاً من المشكلة، لكنها لا تحلها كلها.
السكن يلتهم جزءاً كبيراً من الحلم
ومن الملفات التي تستحق إعادة النظر السكن.
امتلاك المنزل ما يزال هدفاً أساسياً لدى الأسرة الأردنية، لكنه يأتي غالباً بالتزام مالي طويل يمتد سنوات وربما عقوداً.
وهنا تصبح الفائدة والقسط والدخل وأسعار العقارات جزءاً من معادلة الطبقة الوسطى.
لا نحتاج بالضرورة إلى أن تملك كل أسرة بيتاً كبيراً. ربما نحتاج إلى نماذج سكن أكثر تنوعاً، وشقق أصغر وأكثر كفاءة، ومناطق جديدة مرتبطة بنقل عام جيد، وتمويل يستطيع الشباب تحمله دون أن يبدأوا حياتهم بقسط يستهلك جزءاً ضخماً من دخلهم.
لأن السكن الذي يمنح الأسرة الاستقرار يجب ألا يتحول إلى السبب الذي يمنعها من الادخار عشرين عاماً.
السيارة أصبحت بنداً معيشياً لا رفاهية فقط
وفي الأردن تحديداً، يصعب فصل الضغط المالي عن النقل.
بالنسبة إلى كثير من الأسر، السيارة ليست رمز رفاهية، بل وسيلة للوصول إلى الوظيفة والمدرسة والجامعة والطبيب.
لكن السيارة تحمل معها ثمناً وتمويلاً ووقوداً وترخيصاً وتأميناً وصيانة وقطع غيار.
وهنا تظهر أهمية النقل العام من زاوية مختلفة.
النقل العام الجيد ليس مشروعاً مرورياً فقط.
إنه سياسة لتحسين دخل الأسرة بصورة غير مباشرة.
إذا استطاع المواطن الاستغناء عن سيارة ثانية، أو تقليل استخدام سيارته، أو الوصول إلى عمله بكلفة أقل، فقد ارتفع دخله المتاح فعلياً من دون أن نضيف ديناراً واحداً إلى راتبه.
التعليم أيضاً أصبح بنداً مالياً ثقيلاً
الأسرة الوسطى ترى التعليم بوصفه استثمارها الأكبر في أبنائها، ولهذا قد تضحي بأشياء كثيرة حتى تحافظ عليه.
لكن السؤال الذي يجب أن يقلقنا هو ماذا يحدث عندما تدفع الأسرة سنوات من دخلها لتعليم ابنها ثم يجد نفسه أمام سوق عمل لا يحتاج إلى تخصصه أو يعرض عليه دخلاً لا يتناسب مع سنوات الدراسة.
هنا لا يخسر الشاب وحده.
تخسر الأسرة التي مولت الرحلة كاملة.
ولهذا فإن إصلاح العلاقة بين التعليم وسوق العمل ليس قضية جامعات فقط، بل سياسة لحماية الطبقة الوسطى أيضاً.
لا نريد أن تصبح الديون بديلاً عن الدخل
الاقتراض أداة طبيعية في الاقتصاد.
القرض الذي يشتري منزلاً أو يمول مشروعاً أو أصلاً منتجاً يمكن أن يكون وسيلة لبناء الثروة.
لكن هناك فارقاً بين الاقتراض لبناء أصل والاقتراض لتغطية الاستهلاك اليومي.
عندما تبدأ الأسرة باستخدام الدين لسد فجوة مستمرة بين الدخل والمصروف، يجب أن نتوقف.
لأن القرض في هذه الحالة لا يحل المشكلة.
هو ينقل جزءاً من مصروف اليوم إلى دخل الغد، ويضيف إليه الفائدة.
وهنا تصبح الثقافة المالية مهمة أيضاً؛ معرفة متى يكون القرض مفيداً، وكيف تدار بطاقة الائتمان، وكيف تبنى مدخرات الطوارئ، وكيف تميز الأسرة بين ما تحتاجه وما تستطيع تأجيله.
لكن من الظلم اختزال المشكلة كلها في نصيحة المواطن بأن «يدير ماله بصورة أفضل».
يمكنك أن تدير الدخل بكفاءة، لكن هناك حدوداً لما تستطيع الإدارة المالية فعله إذا كانت الفجوة بين الدخل والالتزامات كبيرة.
الحكومة تحتاج إلى رؤية الطبقة الوسطى قبل أن تطلب المساعدة
السياسات الاجتماعية تنظر بطبيعتها إلى الفئات الأشد حاجة، وهذا صحيح وضروري.
لكن السياسة الاقتصادية يجب أن تنظر أيضاً إلى الشريحة التي لا تطلب مساعدة اليوم كي لا تصبح محتاجة إليها غداً.
هذه نقطة جوهرية.
أفضل سياسة اجتماعية ليست فقط أن تساعد الإنسان بعد سقوطه.
بل أن تمنعه من السقوط أصلاً.
وهنا تصبح حماية الطبقة الوسطى مرتبطة بالنمو وفرص العمل والنقل والسكن والتعليم والصحة والأسعار والمنافسة والإنتاجية، لا ببرنامج دعم واحد.
فهي لا تحتاج في الأساس إلى معونة شهرية.
تحتاج إلى اقتصاد يسمح لها بأن تساعد نفسها.
رفع الدخل أهم من مطاردة كل سعر
الحكومة لا تستطيع التحكم في كل سعر، ولا يمكن بناء اقتصاد مستدام على دعم كل سلعة ترتفع كلفتها.
ولهذا فإن المعركة الأساسية يجب أن تكون في جانب آخر من المعادلة: زيادة قدرة الأسرة على الكسب.
اقتصاد ينمو بوتيرة أعلى.
قطاع خاص يتوسع.
وظائف ذات إنتاجية ورواتب أفضل.
مشروعات صغيرة تستطيع البقاء والنمو.
تدريب يعيد تأهيل العامل عندما تتغير مهنته.
وتنافس حقيقي يخفض كلفة السلع والخدمات.
كل ذلك أكثر استدامة من محاولة علاج كل ارتفاع سعري بقرار منفصل.
علينا أن نقيس ما لا يظهر في قوائم الفقر
ربما يحتاج النقاش الاقتصادي الأردني إلى مؤشرات أخرى بجانب الفقر والبطالة والتضخم.
كم أسرة تستطيع تغطية مصروف طارئ من مدخراتها؟
كم شهراً تستطيع الأسرة الاستمرار إذا فقد معيلها وظيفته؟
كم نسبة الدخل التي تذهب إلى السكن والنقل؟
كم تستطيع الأسرة ادخاره سنوياً؟
كم شاباً يعمل لكنه لا يستطيع تأسيس حياة مستقلة؟
هذه الأسئلة تكشف صحة الطبقة الوسطى بصورة أعمق من السؤال عما إذا كانت الأسرة تحصل على مساعدة أم لا.
الطبقة الوسطى ليست قضية طبقية
الدفاع عن الطبقة الوسطى لا يعني تفضيلها على الأسر الفقيرة، ولا تحويل الاهتمام بعيداً عن الأكثر حاجة.
العكس.
المجتمع يحتاج إلى حماية الفقير من العوز، وفي الوقت نفسه حماية الطبقة الوسطى من الانزلاق نحوه.
كل أسرة تنتقل من الاستقلال المالي إلى الحاجة إلى الدعم تضيف ضغطاً جديداً على الدولة والمجتمع.
أما الأسرة التي تتحسن أوضاعها فتستهلك وتدخر وتستثمر وتعلم أبناءها وتدفع الضرائب وتخلق طلباً يحرك الشركات ويوفر الوظائف.
لهذا فإن الطبقة الوسطى ليست ملفاً اجتماعياً هامشياً.
إنها جزء من البنية الاقتصادية للدولة.
المسألة في النهاية تتعلق بالأمل
قد يتحمل الإنسان ضغطاً مالياً لفترة إذا كان يرى نهاية واضحة له.
قسط سينتهي.
راتب سيتطور.
مشروع سينمو.
ابن سيتخرج ويعمل.
لكن الخطر يبدأ عندما يتحول الضغط المؤقت إلى نمط حياة دائم، وعندما يشعر الإنسان أنه يعمل أكثر فقط كي يبقى في المكان نفسه.
فالطبقة الوسطى لا تحتاج فقط إلى القدرة على البقاء.
تحتاج إلى الشعور بأنها تستطيع الصعود.
وهذه ربما هي أهم علامة على صحة أي اقتصاد: أن يستطيع الإنسان العادي، بالعمل والتعليم والانضباط، أن يحسن مستوى حياته ومستوى حياة أبنائه.
لذلك لا يكفي أن نقول إن الأسرة بخير لأنها لم تطلب دعماً، أو لأنها ما تزال تدفع فواتيرها في موعدها.
قد تكون تدفعها من مدخراتها.
قد تكون تؤجل احتياجات أخرى.
قد تكون تقترض.
وقد تكون ببساطة تخفض أحلامها كي تناسب دخلها.
وهذه إشارات يجب ألا ننتظر حتى تتحول إلى أزمة ظاهرة كي نراها.
فالطبقة الوسطى ليست بخير لمجرد أنها لا تطلب المساعدة. وقوة الاقتصاد لا تظهر فقط في قدرته على إنقاذ من سقط، بل في قدرته على إبقاء من يقف على قدميه قادراً على التقدم.












































