اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١١ أيلول ٢٠٢٦
د. عصام أمان الله بخاري
في إحدى قصص تراث الزن القديمة، يروى أن راهبين كانا يسيران بجوار نهر، فشاهدا فتاة تقف عاجزة عن عبوره ولا تدري ماذا تفعل؟ بدون تردد توجه الراهب الأكبر سناً إليها وحملها على ظهره وعبر بها النهر وأنزلها على الضفة الأخرى، ثم أكمل طريقه. الراهب الأصغر سناً كان مصدوماً من الموقف وظل صامتاً لساعات طويلة. ولما يستطع مع ذلك الموقف صبراً لم يحتمل فخاطب الراهب الأكبر سناً يلومه ويعاتبه: 'كيف تجرأت أن تحمل الفتاة ونحن أخذنا العهود والمواثيق ألا نلمس النساء؟'، ابتسم الراهب الأكبر سناً وأجابه: 'أنا تركت الفتاة عند النهر منذ ساعات، فلماذا مازلت أنت تحملها إلى الآن؟'.
في عالم الإدارة والقيادة نرى هذه القصة تتكرر كثيراً، فالراهب الأكبر سناً تعامل مع المشكلة في وقتها واتخذ القرار المناسب وأنقذ إنسانة محتاجة ثم أكمل دربه. بالمقابل فالراهب الأصغر سناً لم يشارك في الحل ولم يساعد الفتاة ولم يغير شيئاً في الواقع، لكنه حمل القصة في عقله وانشغل بها طويلاً وبدأ يلوم الراهب الأكبر سناً الذي تحرك وأنجز وانشغل بأمور أخرى.
في عدد من بيئات العمل يمكن ان ترى الراهب الأصغر سناً على شكل مدير أو مسؤول ينشغل بتفاصيل صغيرة ومملة أو زلة عابرة أو عبارة بسيطة قيلت في خضم اجتماع ونقاش طويل، فيحوّلها إلى دراما كبرى تشغل الفريق كله. وبدل أن يعطي التوجيه ويتخذ القرار في وقته ويمضي، يجعل المنظمة كلها تغرق في دوامة تأويل وتحليل وتأجيل، واجتماعات لا تنتهي وإيميلات تروح وترجع حتى يغدو الموقف الذي استغرق دقيقة واحدة، يستنزف طاقة المؤسسة لأشهر طويلة.
ولتبسيط المسألة وفي عالم كرة القدم، فلا الجمهور ولا المدرب يبحث عن لاعب يشتكي طول المباراة وما بعدها أن الحكم لم يحتسب له خطأ أو ضربة جزاء، بل المطلوب هو لاعب صنديد قادر أن ينهض كل مرة من جديد ويقاتل ليصنع الفرص ويخطف الأهداف ويحقق الانتصارات.
وحتى على مستوى الدول، فشتان بين قيادة تعيش أسيرة قرون مضت وإمبراطوريات اندثرت، وبين قيادات تعتز بماضيها وتبذل وتسعى في حاضرها لتصنع أمجاد مستقبلها.
في حقيقة الأمر؛ عدد من المديرين لا يديرون الحاضر، بل يعيشون في ظلال الماضي. في قرار قديم، تجربة فاشلة، موظف أخطأ مرة، مشروع تعثر قبل سنوات، فيبقى كل ذلك حاضراً في كل نقاش. وهذا كله يعوق تقدم المنظمة فلا يستطيع قائد مركبة أن يتقدم إلى الأمام إذا كان يدير وجهه إلى الخلف طيلة الوقت.
لا يعني ذلك بطبيعة الأمر التساهل مع الأخطاء والمخالفات، فالمنظمات لا تنجح بالفوضى، لكن القيادة الحكيمة تميز بين الخطأ الذي يحتاج معالجة، والتفصيل الذي يحتاج قراراً سريعاً، والحدث الذي يجب ألا يتحول إلى عبء نفسي وإداري على الجميع.
باختصار؛ القائد الفذ يحترم القوانين، ولكنه يتعامل بروح النظام، فهو لا يتجاهل الأخطاء، ولكنه لا يعطيها أكبر من حجمها. إذا حصل الخطأ تتم معالجته وأخذ العبرة واتخاذ الإجراء لعدم تكراره ثم يتم استكمال العمل.. وبلغة الإدارة لا أحد يبحث عن قائد شكّاء بكّاء، بل قائد يمتلك الذكاء والدهاء والقدرة على الإنهاء.










































