اخبار الاردن
موقع كل يوم -سواليف
نشر بتاريخ: ١٧ أذار ٢٠٢٦
فوائد صيام ستٍّ من شوال بعد رمضان
ماجد دودين
(١) تحصيل ثواب صيام الدهر: وذلك أن صيام الدهر -والله يجزي على الحسنة عشر أمثالها-يعني أن يكتب للعبد صيام عشرة أشهر مقابل صيام شهر رمضان، ويكون صيام الستة أيام قائما مقام ثواب صيام شهرين آخرين، فيكون العبد بذلك قد استكمل ثواب صيام دهره.
(٢) صيام شوال وشعبان كصلاة السنن الرواتب قبل الصلاة المفروضة وبعدها، فيكمل بذلك ما حصل في الفرائض من خلل ونقص، فإن الفرائض تكمل بالنوافل يوم القيامة، كما ورد عن النبي – صلى الله عليه وسلم – من وجوه متعددة، وأكثر الناس في صيامه للفرض نقص وخلل، فيحتاج إلى ما يجبره ويكمله من الأعمال؛ ولهذا نهى النبي – صلى الله عليه وسلم – أن يقول الرجل: صمت رمضان كله أو قمت رمضان كله، قال الصحابي: لا أدري أَكرِهَ التزكية، أم لا بد من غفلة.
وكان عمر بن عبد العزيز – رحمه الله – يقول: من لم يجد ما يتصدق به فليصم، يعني من لم يجد ما يخرجه صدقةً للفطر في آخر رمضان فليصم بعد الفطر؛ فإن الصيام يقوم مقام الإطعام في تكفير السيئات، كما يقوم مقامه في كفارات الأيمان وغيرها من الكفارات.
(٣) معاودة الصيام بعد صيام رمضان علامةٌ على قبول صيام رمضان؛ فإن الله تعالى إذا تقبل عمل عبدٍ وفقه لعملٍ صالح بعده، كما قال بعضهم: ثواب الحسنة الحسنة بعدها، فمن عمل حسنة ثم أتبعها بحسنة بعدها؛ كان ذلك علامة على قبول الحسنة الأولى، كما أن من عمل حسنة ثم أتبعها بسيئة، كان ذلك علامةَ رد الحسنة وعدم قبولها، فمن رام أن يعلم مدى قبول عمله من ذلك، فليعود نفسه على الصيام والقيام من جديد حتى يكون صيامه الثاني علامةً قبول صيامه الأول، وحتى يكون قيامه الآخر علامةً على قبول قيامه السابق عليه
من عمل طاعة من الطاعات وفرغ منها، فعلامة قبولها أن يصلها بطاعةٍ أخرى، وعلامة ردها أن يعقب تلك الطاعة بمعصية … ما أحسن الحسنة بعد السيئة تمحوها، وأحسن منها الحسنة بعد الحسنة تتلوها، وما أقبح السيئة بعد الحسنة تمحقها وتعفوها … ذنبٌ واحد بعد التوبة أقبح من سبعين ذنبًا قبلها، النكسة أصعب من المرض وربما أهلكت، سلوا الله الثبات على الطاعات إلى الممات، وتعوذوا به من تقلب القلوب، ومن الحَوْر بعد الكَوْر، ما أوحش ذل المعصية بعد عز الطاعة، وأفحش فقر الطمع بعد غنى القناعة.
(٤) صيام رمضان يستوجب مغفرة ما تقدم من الذنوب، وأن الصائمين لرمضان يوفَّوْن أجورهم في يوم الفطر، وهو يوم الجوائز، فيكون معاودة الصيام بعد الفطر شكرًا لهذه النعمة، فإن شكر النعمة إنما يكون بفعلٍ من جنسها؛ حتى يكون الصيام نعمةً تستوجب شكرًا بصيام آخر، فلا نعمة أعظم من مغفرة الذنوب، ألم تر أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقوم حتى تتفطر قدماه، فيقال له: تفعل ذلك وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟، فيقول – صلى الله عليه وسلم -: 'أفلا أكون عبدا شكورا' ، فكان قيامه – صلى الله عليه وسلم – ذلك القيام الطويل حتى تتورم قدماه … ثم حتى تتفطر قدماه … ثم حتى تتشقق قدماه بعد تورمها، كل ذلك شكرًا لله -عز وجل- على مغفرته لذنوبه.
وقد أمر الله سبحانه وتعالى عباده بشكر نعمة صيام رمضان بإظهار ذكره، وغير ذلك من أنواع شكره نقال: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: ١٨٥]، فمن جملة شكر العبد لربه على توفيقه لصيام رمضان وإعانته عليه، ومغفرة ذنوبه أن يصوم له شكرًا عقيب ذلك.
كان بعض السلف إذا وُفِّقَ لقيام ليلة من الليالي؛ أصبح في نهارها صائمًا، ويجعل صيامه شكرًا للتوفيق للقيام.
وكان وهيب بن الورد يُسأل عن ثواب شيءٍ من الأعمال كالطواف ونحوه فيقول: لا تسألوا عن الثواب، ولكن سلوا ما الذي على مَنْ وُفِّقَ لهذا العمل من الشكر، للتوفيق والإعانة عليه.
كل نعمةٍ على العبد من الله -عز وجل- في دينٍ أو دنيا تحتاج إلى شكر عليها، ثم التوفيق للشكر عليها نعمة أخرى تحتاج إلى شكر ثان، ثم التوفيق للشكر الثاني نعمة أخرى يحتاج إلى شكر آخر، وهكذا أبدًا فلا يقدر العبد على القيام بشكر النعم، وحقيقة الشكر الاعتراف بالعجز عن الشكر.
(٥) أن الأعمال التي كان العبد يتقرب بها إلى ربه في شهر رمضان لا تنقطع بانقضاء رمضان؛ بل هي باقية بعد انقضائه ما دام العبد حيًّا، وهذا معنى الحديث أن الصائم بعد رمضان كالكارّ بعد الفار، يعني كالذي يفر من القتال في سبيل الله ثم يعود إليه، وذلك لأن كثيرًا من الناس يفرح بانقضاء شهر رمضان؛ لاستثقال الصيام وملله وطوله عليه، ومن كان كذلك فلا يكاد يعود إلى الصيام سريعًا، فالعائد إلى الصيام بعد فطره يوم الفطر يدل عوده على رغبته في الصيام وأنه لم يمله ولم يستثقله ولا تَكَرَّهَ به.
وفي الحديث أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: 'أحب الأعمال إلى الله الحال المرتحل' ، وفُسر بصاحب القرآن يضرب من أوله إلى آخره، ومن آخره إلى أوله، كلما حل ارتحل، والعائد إلى الصيام سريعًا بعد فراغ صيامه، شبيةٌ بقارئ القرآن إذا فرغ من قراءته ثم عاد إليه، في المعنى، والله أعلم
(٦) في صيام هذه الأيام الستة من شوال استدراكٌ لما فات العبد من وظائف الصيام، من وظائف إصلاح نفسه، وإقامتها على أمر الله -عز وجل-، ومن الوظائف المرجوة كذلك من الصيام من الإحسان إلى الفقراء، ومن إدراك نعمة الله -عز وجل- في الأموال، ومن شكر نعم الله -عز وجل-، ومن تخلي العبد للذكر والفكر، فإن شأنه في الفطر أن يكون مشغولًا عن الذكر والفكر، والصيام معينٌ له على ذكر الله -عز وجل- والتفكر في آخرته.
(٧) في صيام أيام شوال إعلانٌ ببقاء وظائف العبادة ما بقي العبد دهرَه؛ فليست تذهب مع المواسم الطاعات؛ بل إن ذهبت المواسم فلا يزال الله عز وجل أهل العفو وأهل المغفرة، ولاتزال مغفرة الله -عز وجل- وعفوه يُرْجَوان بالعبادة من الصيام والقيام، فما تنقضي أبد الدهر وظيفةُ الصيام، وما تنقضي مدة حياة العبد وظيفة القيام وتلاوة القرآن.
(٨) في صيام هذه الأيام من شوال، وفي إتباعها رمضان من غير مهلة ولا تراخ، إعلان بعدم سآمة العبد من العبادة، وأنه لم ينتظر ذهاب رمضان وانقضائه، وأنه ما مَلَّ وقوفه بباب ربه، وما سَئِمَ التعرض لفضله وعطائه ونواله، وأنه لايزال باقيًا مُصِرًّا، باقيا على وظيفة العبادة، مصرًّا على التعرض لفضل الله -عز وجل- وعطائه.
مسألة قضاء رمضان أولًا أم ست من شوال؟
عن أم سلمة أنها كانت تأمر أهلها: من كان عليه قضاء من رمضان أن يقضيه الغد من يوم الفطر، فمن كان عليه قضاء من شهر رمضان فليبدأ بقضائه في شوال؛ فإنه أسرع لبراءة ذمته، وهو أوْلى من التطوع بصيام ستٍّ من شوال، فإن العلماء اختلفوا فيمن عليه صيام مفروض، هل يجوزَ أن يتطوع قبله أم لا؟، وعلى قول من جوز التطوع قبل القضاء فلا يحصل مقصود صيام ستة أيام من شوال إلا لمن أكمل صيام رمضان، ثم أتبعه ستًا من شوال.
فمن كان عليه قضاء من رمضان ثم بدأ بصيام ستٍّ من شوال تطوعًا لم يحصل له ثواب من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال؛ حيث لم يكمل عدة رمضان، كما لا يحصل لمن أفطر رمضان لعذر بصيام ستة أيام من شوال أجر صيام السنة بغير إشكال.
ومن بدأ بالقضاء في شوال، ثم أراد أن يتبع ذلك بصيام ستٍّ من شوال بعد تكملة قضاء رمضان كان حسنًا؛ لأنه يصير حينئذ قد صام رمضان وأتبعه بست من شوال، ولا يحصل له فضل صيام ست من شوال بصوم قضاء رمضان؛ لأن صيام الست من شوال إنما يكون بعد إكمال عدة رمضان.
ومن علامات القبول أيضًا:
١ – إذا كنت بعد رمضان تسارع إلى الطاعات محبًّا لها، وتترك المعاصي أنفةً منها؛ فتلك من علامات القبول، وإذا رأيت أبواب الخير تفتح لك مثل البكاء، ورقة القلب، والسهر، وقلة النوم فهذه من ثمرات رمضان أيضًا، كما هي في رمضان أو أزيد، فهذه من علامات القبول.
٢ – إذا كنت بعد رمضان أفضل مما كنت عليه قبل رمضان، وتستشعر أن لك قلبًا جديدًا ينبض بحب الله، وتحس أنك تحب ربك أكثر، وتحب ذكره والقيام بين يديه، وتحب شكره وتحب الإقبال عليه، فهذه من علامات القبول.
[حراسة الطاعات]
ثم إنه أيها الأحبة في الله إذا كان حَقٌّ كل عمل إذا صُحِب بالإخلاص، فكانت النية فيه غير مشوبة برياء أو سُمعة؛ كان لا بد في ذلك العمل من حراسة له؛ حتى لا يتطرق إليه ضرب من ضروب الخلل.
والحراسة تكون:
أولًا: بالحذر من الإدلال بالطاعة:
أول ذلك حراسة ذلك العمل من أن يحصُلَ من العبد به مَنٌّ على الله عز وجل، أو على خلقه، فما يرى ذلك العمل حتى ينتظر حقًّا يتقاضاه من الخلق، أو شيئًا يوجب له شيئًا آخر من الرب -عز وجل-، فهو وإن كان ثَمَّ عمل، فلا يزال يرى نفسه أقل إخوانه وأكثرهم ذنوبًا وأشدهم عيوبًا، فما له عليهم حَقُّ يتقاضاه بعمله.
وهو كذلك لا يُدِلُّ بذلك العمل على ربه، لا يرى أنه صنع شيئًا له على الله -عز وجل- به حق أو دلال، فما يرى ذلك العمل نعمة الله -عز وجل- التي تستوجب منه شكرًا آخر، وسعيًا موصولًا، واجتهادًا غير منقطع إلى الممات.
ثانيًا: بالحذر من العجب:
حَقُّ العمل بعد إنقضائه الحذر من أن يدرك النفس به عجبٌ، ودفع العجب بشهود منة الله -عز وجل- عليك، وتقصير نفسك، فتندفع رؤيتك لعملك، حين تكون مستغرقًا برؤية نعمة الله -عز وجل- لا برؤية عملك.
ثالثًا: بالحذر من الغرور:
وحق ذلك العمل بعد انقضائه حذر النفس من الغرور، فغرورها مبنيٌّ على نسبة ما كان من السعي لكسبها، ومن العمل لتحصيلها، وهي نسبة كاذبة غير صحيحة، فما كان من سعي أو كسب؛ فذلك فضل الله -عز وجل-، عطاؤه ومنته، إحسانه وجوده، لا نسبة لشيءٍ من ذلك للعبد ألبتة.
رابعًا: بالمداومة على الطاعات:
وحق ذلك العمل بعد انقضائه أن يعلم المرء أن علامة قبوله إنما هي
التوفيق لنظائره وأمثاله بعد انقضائه، وأن يعلم أن انقضاء موسم ذلك العمل يعني استجماع عدوِّه قوتَهُ في حبسه عن المزيد من ذلك العمل، حتى يجمع العدو اللعين كل الموانع والقواطع عن الصيام والقيام وتلاوة القرآن، فيحصل بعد رمضان انحدار شديد لما كان من الأعمال الصالحة بذهابها وفواتها.
خامسًا: بالاستعانة بالله لدفع الشواغل:
فحق تلك الأعمال التي أوتيتموها وأعانكم الله عليها أن تحذروا لها من مكايد العدو المتربص بها، حتى إذا جمع الشواغل، وكَثَّر الهموم والموانع والقواطع؛ كان عندكم من استعانتكم بالله -عز وجل-، واستمدادكم لقوته، كان عندكم من ذلك ما يدفع الشواغل والموانع والقواطع، وإلا فإن أي استسلام لذلك يعني ذهاب رمضان وانقطاعه بأعماله الصالحات، ويعني رجوع العبد إلى مرذول عاداته وسيء مألوفاته التي هي حبسٌ عن الله -عز وجل-، وانقطاعٌ عن السير إليه، وتقصيرٌ في تحصيل أسباب النجاة.
اعلموا أن الراحة لا تُنال بالراحة، ومعالي الأمور لا تُنال بالفتور، ومن زرع حصد، ومن جد وجد.
لله دَرُّ أقوامٍ شغلهم تحصيلُ زادهم عن أهاليهم وأولادهم، ومال بهم ذِكرُ المآل عن المال في معادهم، وصاحت بهمُ الدنيا فما أجابوا شُغْلًا بمرادهم، وتوسدوا أحزانهم بدلًا من وسادهم، واتخذوا الليل مسلكًا لجهادهم واجتهادهم، وحرسوا جوارحهم من النار عن غيِّهم وفسادهم.
أقبلت قلوبهم ترعى حَقَّ الحَقِّ؛ فذهلت بذلك عن مناجاة الخلق.
فالأبدان بين أهل الدنيا تسعى، والقلوب في رياض الملكوت ترعى
نازلهم الخوفُ فصاروا والِهين، وناجاهم الفكرُ فعادوا خائفين.
وجَنَّ عليهمُ الليلُ فباتوا ساهرين، وناداهم منادي الصلاح: حيَّ على الفلاح، فقاموا متجهين.
وهبَّت عليهم ريحُ الأسحار فتيقظوا مستغفرين، وقطعوا بند المجاهدة فأصبحوا واصلين.
فرجعوا وقت الفجر بالأجر … فيا خيبةَ النادمين.
إن عمل الصالحات لا ينقطع عنك ما دامت فيك روح … فعل الطاعات لا يسقط عنك ما دام يتردد فيك نَفَس … وأيُّما وجدت خيرًا فسارع إليه وشارك … اللَّهم ارزقنا فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين … ربنا آتنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار … اللَّهم خذ بنواصينا إلى ما تُحِبُّ وترضى؛ إنك على ما تشاء قدير … وبالإجابة جدير.
هذه الشهور والأعمال والليالي والأيام كلها مقادير للآجال، ومواقيت للأعمال، ثم تنقضي سريعًا، وتمضي جميعًا، والذي أوجدها وابتدعها وخصها بالفضائل وأودعها باقٍ لا يزول، ودائمٌ لا يحول؛ هو في جميع الأوقات إلهٌ واحد، ولأعمال عباده رقيبٌ مشاهد.
فسبحان من قلَّبَ عباده في اختلاف الأوقات بين وظائف الخَدَم؛ ليسبغَ عليهم فيها فواضل النعم، ويعاملهم بنهاية الجود والكرم.
لما انقضت الأشهر الثلاثة الكرام التي أولها الشهر الحرام، وآخرها شهر
الصيام؛ أقبلت بعدها الأشهر الثلاثة، أشهر الحج إلى البيت الحرام، فكما أن من صام رمضان وقامه غُفر له ما تقدم من ذنبه؛ فمن حج البيت ولم يرفث ولم يفسُق رجع كيوم ولدته أمه.
فما يمضي من عمر المؤمن ساعة من الساعات إلا ولله فيها عليه وظيفة من وظائف الطاعات؛ فالمؤمن يتقلب بين هذه الوظائف، ويتقرب بها إلى مولاه وهو راجٍ خائف، والمحبُّ لا يَمَلُّ من التقرب بالنوافل إلى مولاه، ولا يأمل إلا قربه ورضاه.
باختصار من كتاب أسرار المحبين في رمضان للشيخ محمد يعقوب












































