اخبار الاردن
موقع كل يوم -زاد الاردن الاخباري
نشر بتاريخ: ١٨ تشرين الأول ٢٠٢٦
زاد الاردن الاخباري -
كتب : الدكتور احمد الوكيل - في كل مرة يشغر فيها موقع قيادي في مؤسسة عامة، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة: من سيأتي؟ لكن السؤال الذي يستحق أن يسبق الأسماء هو: كيف نختار؟ فالدولة التي تتحدث عن تحديث اقتصادي وإداري وسياسي واسع لا تستطيع أن تطمح إلى نتائج مختلفة إذا بقيت آليات صناعة القيادات بعيدة عن روح التحديث نفسها.
القضية ليست في شخص بعينه، ولا في الطعن بكفاءة من شغلوا مواقع عامة سابقاً. الخبرة قيمة لا يجوز التفريط بها، وبعض المسؤولين يستطيعون الانتقال من موقع إلى آخر لأن لديهم معرفة متراكمة تحتاج إليها الدولة. المشكلة تبدأ عندما يتحول الانتقال بين المناصب إلى نمط مغلق، فتبدو المواقع وكأنها تتحرك بين دائرة محدودة من الأسماء، بينما يقف خارجها جيل كامل من أصحاب الخبرة والكفاءة ينتظر فرصة الدخول.
الأردن اليوم يحتاج إلى شيء أكبر من تغيير الوجوه. يحتاج إلى إعادة التفكير في مفهوم «القيادي» نفسه. فالمسؤول الذي كان مناسباً لإدارة مؤسسة قبل عشرين عاماً ليس بالضرورة النموذج نفسه الذي تحتاج إليه مؤسسة تعمل اليوم وسط التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والمنافسة على الاستثمار وسرعة انتقال المعلومات وتغير توقعات المواطن من الخدمة العامة.
القيادة الحديثة لم تعد أقدمية وظيفية فقط، ولا شهادة جامعية، ولا سنوات طويلة في الجهاز العام. إنها قدرة على اتخاذ القرار، وإدارة فريق، وقراءة الأرقام، وتحويل الخطة إلى نتائج، والتعامل مع التكنولوجيا، والاستماع إلى الناس، والاعتراف بالخطأ وتصحيحه، والأهم أن يمتلك المسؤول تصوراً واضحاً لما يريد أن تكون عليه المؤسسة بعد سنوات، لا أن يكتفي بإدارة يومها.
وهنا يصبح اختيار القيادات جزءاً من مشروع تحديث الدولة، وليس شأناً إدارياً داخلياً.
عندما تعين الدولة أميناً عاماً أو مديراً عاماً أو رئيساً لمؤسسة، فإنها لا تملأ شاغراً في جدول التشكيلات. هي تضع شخصاً على رأس مؤسسة تدير مالاً عاماً وموظفين وخدمات وقرارات قد تمس حياة آلاف أو ملايين الأردنيين. ولهذا فإن الخطأ في اختيار القيادة قد تكون كلفته أكبر بكثير من راتب المسؤول نفسه.
المشكلة في تدوير الأسماء ليست أن صاحب الخبرة عاد إلى موقع جديد، بل أن التدوير إذا أصبح بديلاً عن المنافسة يحرم الدولة من اكتشاف أشخاص ربما كانوا أكثر قدرة على أداء المهمة. فالسؤال لا ينبغي أن يكون: أين نضع المسؤول الذي انتهت مهمته؟ بل: من هو أفضل شخص للموقع الذي أصبح شاغراً؟
الفارق بين السؤالين يصنع إدارة مختلفة بالكامل.
في الحالة الأولى نبحث عن كرسي لشخص. وفي الثانية نبحث عن شخص لكرسي.
والدولة الحديثة يجب أن تنحاز دائماً إلى الثانية.
من هنا تصبح المنافسة المفتوحة على المواقع القيادية مهمة، لكنها لا تكفي وحدها. الإعلان عن الوظيفة خطوة جيدة، إلا أن القيمة الحقيقية تكمن في معايير الاختيار: هل يعرف المتقدم مسبقاً ماذا تريد الدولة منه؟ وهل توجد مؤشرات موضوعية للمفاضلة؟ وهل المقابلة تقيس القدرة الفعلية على القيادة أم تتحول إلى إجراء لاستكمال الملف؟
ربما نحتاج إلى أن يأتي المرشح لأي موقع قيادي بمشروعه معه. لا نريد منه أن يخبر اللجنة فقط أين درس وأين عمل، فهذه المعلومات موجودة في سيرته الذاتية. نريد أن يقول: هذه المؤسسة التي أتقدم لإدارتها، وهذه مشكلاتها كما أفهمها، وهذه أهدافي لأول مئة يوم، وهذه النتائج التي أتعهد بالعمل للوصول إليها خلال سنتين أو ثلاث.
عندها تصبح المنافسة بين أفكار وبرامج، لا بين سير ذاتية فقط.
وإذا اختير المسؤول بناء على برنامج، يصبح من الممكن تقييمه بناء عليه. ماذا وعد؟ ماذا أنجز؟ ما الذي تعثر؟ ولماذا؟ عندها لا يعود تقييم المسؤول انطباعاً عاماً من نوع «ناجح» أو «غير ناجح»، وإنما مقارنة بين هدف معلن ونتيجة تحققت على الأرض.
وهذه النقطة مهمة جداً، لأن إصلاح اختيار القيادات لا يكتمل من دون إصلاح طريقة تقييمها. لا معنى لأن نجري منافسة دقيقة لاختيار مدير ثم نتركه سنوات من دون مؤشرات أداء واضحة. كما لا معنى لتغيير مسؤول ناجح فقط لأن مدته انتهت إذا كانت المؤسسة تتقدم تحت إدارته، مثلما لا ينبغي الإبقاء على مسؤول لم يحقق النتائج لأن اسمه مألوف في دوائر القرار.
المعيار يجب أن يكون الأداء.
والأداء يحتاج إلى أرقام.
إذا كان مسؤولاً عن مؤسسة استثمارية، فكم استثماراً جذب؟ وكم وظيفة خلقت؟ وكم اختصر زمن الإجراءات؟ وإذا كان مسؤولاً عن مؤسسة خدمية، فهل تحسنت الخدمة وانخفض زمن الانتظار وارتفع رضا المواطنين؟ وإذا كان مسؤولاً عن قطاع اقتصادي، فما الذي تغير في المؤشرات المرتبطة بعمله؟
هذه الأسئلة أكثر عدالة للمسؤول نفسه، لأنها تحمي صاحب الإنجاز من الأحكام الانطباعية، وفي الوقت ذاته تجعل الموقع العام مسؤولية قابلة للقياس.
لكن هناك جانباً آخر لا يقل أهمية: فتح الباب أمام القطاع الخاص والجامعات والأردنيين في الخارج. فالدولة إذا بحثت عن قياداتها داخل الجهاز العام فقط، فإنها تقلص مسبقاً مساحة الاختيار. هناك أردنيون يديرون شركات ومؤسسات كبيرة في الخارج، وأكاديميون يمتلكون خبرات متخصصة، وقيادات في القطاع الخاص تعرف كيف تدار المشاريع والتكنولوجيا والاستثمارات والأسواق.
ليس المطلوب استبدال موظف القطاع العام بموظف القطاع الخاص، فلكل منهما خبرته وطبيعة عمله. المطلوب أن تكون الدولة قادرة على الوصول إلى أفضل كفاءة أردنية أينما كانت عندما تحتاج إليها.
وقد يتطلب ذلك أيضاً إعادة النظر في جاذبية بعض المناصب العامة للكفاءات. صاحب الخبرة المتميزة لن يترك موقعاً ناجحاً في القطاع الخاص أو الخارج لمجرد الحصول على لقب. يحتاج إلى صلاحيات واضحة، وفريق قادر، ومساحة لاتخاذ القرار، وبيئة تحمي القرار المهني السليم، وإحساس بأن الإنجاز سيقاس بعدالة.
فاستقطاب الكفاءة لا يتم بفتح باب التقديم فقط؛ يتم ببناء وظيفة تستحق أن يتقدم إليها الأكفأ.
والشباب يجب أن يكونوا جزءاً من هذه المعادلة. لا يعني ذلك أن نسلم المواقع العليا لمن يفتقد الخبرة تحت شعار التجديد، وإنما أن نبني الصف الثاني والثالث مبكراً. المدير العام لا يولد مديراً عاماً في يوم تعيينه. يجب أن يمر بمسار يمنحه المسؤولية والتدريب والخبرة والفرصة لإثبات نفسه.
إذا لم نصنع قيادات جديدة اليوم، سنعود بعد عشر سنوات إلى الأسماء نفسها لأننا ببساطة لم نمنح غيرها فرصة الاستعداد.
وهنا تتحول القضية من «تدوير الأشخاص» إلى تدوير الفرص. يجب أن تصل الفرصة إلى المحافظات أيضاً، وإلى النساء، وإلى الكفاءات التي لا تمتلك شبكة علاقات واسعة، وإلى الموظف الذي أمضى سنوات يعمل بصمت ويحقق نتائج من دون أن يعرفه أحد خارج مؤسسته.
الكفاءة التي تحتاج إلى واسطة حتى تُكتشف هي كفاءة تخسر الدولة جزءاً من قيمتها.
ولذلك يمكن بناء قاعدة وطنية للكفاءات لا تكون مجرد مستودع للسير الذاتية، بل منظومة حقيقية لرصد أصحاب الأداء المرتفع داخل الدولة وخارجها، وتطويرهم، وربطهم بالفرص القيادية المستقبلية. وعندما يشغر موقع حساس، تبدأ عملية البحث من قاعدة واسعة لا من دفتر هواتف محدود.
هناك أيضاً مسألة يجب ألا نهرب منها: بعض المسؤولين ينجحون في موقع ويفشلون في آخر، وهذا طبيعي. القيادة ليست صفة مطلقة. شخص ممتاز في الإدارة المالية قد لا يكون مناسباً لإدارة مؤسسة خدمية ضخمة، ومن ينجح في التنظيم قد لا يكون الشخص الأفضل للاستثمار أو الابتكار.
ولهذا فإن نقل المسؤول الناجح تلقائياً إلى أي منصب أعلى ليس دائماً مكافأة له ولا للمؤسسة الجديدة. الاختيار الصحيح هو مطابقة الكفاءة مع المهمة، لا مطابقة المنصب مع الرتبة السابقة.
التحديث الإداري الحقيقي يبدأ من هنا. تستطيع الحكومة رقمنة آلاف الخدمات وإعادة هيكلة الوزارات وتغيير الأنظمة، لكن في النهاية هناك إنسان سيقود كل مؤسسة. وإذا لم يكن هذا الإنسان قادراً على استخدام الأدوات الجديدة، فإن أفضل الهياكل ستعمل بأقل من طاقتها.
التكنولوجيا لا تعوض القيادة.
والقانون لا يعوض الإدارة.
والخطة لا تنفذ نفسها.
لهذا فإن معركة اختيار القيادات ربما تكون واحدة من أقل ملفات التحديث ضجيجاً، لكنها من أكثرها تأثيراً.
والأهم أن تغيير المنهج لا يحتاج إلى حملة ضد المسؤولين السابقين. الأردن يمتلك خبرات إدارية كبيرة تراكمت عبر عقود، ومن الخطأ التعامل معها وكأنها عبء. المطلوب هو الاستفادة منها من دون تحويلها إلى باب مغلق أمام الآخرين.
المسؤول الذي أنهى مهمته بنجاح يمكن أن يكون مستشاراً، أو عضواً في مجلس، أو ناقلاً للخبرة، أو مرشحاً لموقع آخر إذا كانت خبرته تناسبه. لكن الانتقال يجب أن يكون نتيجة حاجة المؤسسة وكفاءة الشخص، لا مجرد استمرار طبيعي لمسيرة المناصب.
هناك فارق بين استثمار الخبرة وتدوير المنصب.
الأولى تقوي الدولة، والثانية قد تخلق لدى الناس انطباعاً بأن المواقع العامة دائرة مغلقة.
وهذا الانطباع بحد ذاته مكلف، لأنه يمس الثقة. عندما يرى الشاب أن المواقع القيادية مفتوحة للمنافسة وأن صاحب الكفاءة يستطيع الوصول إليها، يصبح الاجتهاد ذا معنى أكبر. وعندما يشعر الموظف بأن الأداء الجيد يمكن أن يقوده إلى موقع أعلى، تتحول الوظيفة العامة من مسار انتظار إلى مسار إنجاز.
في النهاية، لا تحتاج الدولة إلى أسماء جديدة لمجرد أنها جديدة، كما لا تحتاج إلى أسماء قديمة لمجرد أنها معروفة. تحتاج إلى الأصلح للمهمة في اللحظة التي تتطلبها الدولة.
وهذه قاعدة تبدو بسيطة، لكنها إذا تحولت إلى ثقافة مؤسسية ستغير الكثير.
فالأردن الذي يريد اقتصاداً حديثاً وإدارة حديثة وخدمات حديثة يحتاج بالضرورة إلى طريقة حديثة في اكتشاف من يقود هذه المؤسسات. والتحديث لا يكتمل عندما نغير القانون ونبقي العقلية نفسها، ولا عندما نعيد هيكلة المؤسسة ثم نبحث في القائمة القديمة عن اسم لإدارتها.
الأردن يحتاج إلى ثورة في اختيار القيادات لا تدوير الأسماء؛ ثورة معيارها الكفاءة، وأداتها المنافسة، وحكمها النتائج، وغايتها أن يصل إلى كل موقع عام الشخص الذي يستطيع أن يضيف إليه، لا الشخص الذي يحتاج إلى موقع جديد.












































