اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٢ تشرين الأول ٢٠٢٦
أ.د. حمزة بن سليمان الطيار
أهم أنواع الإخلاص في شؤون الحياة إخلاص الإنسان لوليّ أمره ولوطنه ولمجتمعه، بل هذا من صميم الدين، فالإخلاص للأئمة والعامة هو النصح لهم وترك الغشّ، فمن كان مخلصًا لولي أمره ومجتمعه محتسبًا الأجر في ذلك، كَمُل دينه، كما أنه بهذا مسهم في قوة وطنه، وتماسك مجتمعه، وهذا من أقوى أسباب العز والمنعة واستتباب الأمن، فلا يسوغ للعقل أن يزهد فيه..
من أسس النجاح العامة القدرة على التحكّم في النفس وتطويعها في تعاطي المصالح وتجنّب المفاسد، ويتوقف صلاح الدين والدنيا على هذا الأساس، والإخلاص في القناعات والأعمال والمواقف هو الخطوة الأولى في تحقيق تطويع النفس لما فيه الخير؛ فإنه قاعدة متينة إذا بني عليها الجهد أمكنه أن يصمد أمام التحديات، وسواء في ذلك شؤون الحياة ومصالح المعاد، أما شؤون الحياة فشواهد ذلك فيها محسوسة لا تخطئه العين؛ فما من نجاح إلا ووراءه -بعد توفيق الله تعالى- إخلاص في عمل وإعداد للعدة ومعرفة لما يستلزمه الموقف، وقلّما تجد إخفاقاً كلياً إلا وخلفه عدم الإخلاص في بعض الوسائل، وأما أمور المعاد، فمعلوم أن الإخلاص في المعتقد هو النقطة الفاصلة بين المؤمن والمنافق، وبطيب أثره استحقّ المؤمن بفضل الله تعالى ما وعده به ربه من الدرجات العلى في الجنّة، وبتركه استحق المنافق ما توعّده به ربّه في قوله: 'إن المنافقين في الدّرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيراً)، ولي مع الإخلاص وقفات:
الأولى: الإخلاص أساس حياة المؤمن؛ والقرآن الكريم يربّي عليه تربيةً حقيقيةً، فمن قرأه استهلّه بإرشاد الله تعالى له إلى الإخلاص ففي فاتحة الكتاب أرشد الله عباده إلى أن يقولوا: 'إيّاك نعبد وإيّاك نستعين'، وهذه الآية مع براعة إيجازها فقد جمعت بين الإخلاص في العمل، وهو وظيفة الجوارح، وإلى الإخلاص في الاستعانة، وهو وظيفة منبعها القلب، ثم يرشدهم إلى أن يقولوا: 'اهدنا الصراط المستقيم'، واستقامة هذا الصراط مبدؤها الإخلاص، ولا يمكن أن يسلك غير المخلص صراط الذين أنعم الله عليهم من الأنبياء وتابعيهم بإحسان، فهذا الدعاء يدل بفحواه على طلب الإخلاص، ثم يختم القارئ ختمته بسورة الناس، وتتضمن الاستعاذة بالله 'من شرّ الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس'، والوسواس من أهم وظائفه صرف الخلق عن الإخلاص، قال تعالى: 'والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ومن يكن الشيطان له قرينًا فساء قرينًا'، فالمرائي قرين الشيطان، وقد يسلك الشيطان بالإنسان طرائق يوهمه فيها أنه متعبّد خاشع، والواقع أنه يورطه بذلك في الرياء كما وضّحه ابن الجوزي -رحمه الله- في كتابه 'تلبيس إبليس'، وأكثر الناس عرضةً لذلك أهل البدع والأهواء الذين يتخذون لأنفسهم مناهج وطرقاً ينفردون بها عما عليه ولاة أمر المسلمين وعامتهم، فيدخلون في عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: 'فعليك بالجماعة، فإنما يأكل الذئب القاصية)، أخرجه أبو داود، وحسّنه الألباني.
الثانية: على الإنسان أن يخلص في عبادة ربه، وفيما يتعاطاه في حياته من الوسائل والمعارف ومعاملات الناس، فإنه قد يفاجئه الاختبار الكاشف المميز بين المخلص والغاشّ المخادع، وهو اختبار قد لا يعطي فرصةً للمراجعة والاستعداد وتعديل الموقف، ولو أعطاها فلا يستفيد منها من ألفت نفسه الغشّ والخديعة، وانطوت على مرض النفاق، والامتحان الذي لا مفرّ منه هو الذي ينتظر الإنسان عند رحيله من هذه الحياة، ولا يوجد جواب ينجح منه إلا الجمل الثلاث العظيمة: (الله ربي ومحمد صلى الله عليه وسلم نبيي، والإسلام ديني)، ومع ذلك لا يهتدي لقولها في هذا الهول العظيم إلا من كان مخلصاً في الإيمان بربّه، أما امتحانات الحياة فنجد المخلص في الأمور يتعرّض للاختبار فيثبت في المواقف حيث يظنّ به الانزلاق، وهذا بفضل الله تعالى ثم بما أودعه في الإخلاص من كونه سبباً مثمراً لنيل المصلحة وتفادي المفسدة، ونرى غير المخلص تخونه نفسه في أشدّ المواقف حاجةً إلى التماسك، فيتهاوى موقفه، وينزلق في المتاعب، وينهار فوق رأسه كل ما بناه من غير أساس.
الثالثة: أهم أنواع الإخلاص في شؤون الحياة إخلاص الإنسان لوليّ أمره ولوطنه ولمجتمعه، بل هذا من صميم الدين، فالإخلاص للأئمة والعامة هو النصح لهم وترك الغشّ، ولا يكمل دين من أخلّ بذلك كما يدلّ عليه حديث تميم الداريّ رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: 'الدين النصيحة' قلنا: لمن؟ قال: 'لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»، أخرجه مسلم، فمن كان مخلصاً لولي أمره ولمجتمعه محتسباً الأجر في ذلك، نال أجر تطبيق هذا الحديث، كما أنه بهذا مسهم في قوة وطنه، وتماسك مجتمعه، وهذا من أقوى أسباب العز والمنعة واستتباب الأمن، فلا يسوغ للعقل أن يزهد فيه.










































