اخبار السعودية
موقع كل يوم -صحيفة البلاد
نشر بتاريخ: ١٢ كانون الثاني ٢٠٢٦
تُعد المحافظة على نظافة الأرض والمكان والمرافق العامة مسؤولية مشتركة بين المواطن والمقيم، وهي ليست سلوكًا حضاريًا فحسب، بل واجب ديني وأخلاقي يعكس وعي المجتمع واحترامه لنفسه ولغيره. فالأماكن التي نعيش فيها ونستخدمها يوميًا، من شوارع وحدائق وساحات عامة، هي ملك للجميع، والاعتداء عليها أو إهمالها يُعد تعديًا على حق عام يجب صيانته والمحافظة عليه.
وقد سبق الدين الإسلامي جميع الأنظمة والقوانين في الدعوة إلى النظافة واحترام الطريق، فجعل رفع الأذى عنه عبادة يؤجر عليها المسلم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وسبعون شعبة… وأدناها إماطة الأذى عن الطريق»، كما قال الله تعالى: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ). وهذه النصوص الشرعية تؤكد أن النظافة ليست أمرًا ثانويًا، بل جزء أصيل من الإيمان والسلوك القويم، وتشمل نظافة المكان، وحسن استخدام المرافق العامة، واحترام حقوق الآخرين.
ومع الأسف، أصبحت سوء استخدام الحدائق والأماكن العامة ظاهرة مقلقة في كثير من المدن، حيث تحولت بعض هذه المرافق من متنفسٍ للأسَر والأطفال وكبار السن، إلى أماكن مشوّهة بالمخلفات، ومسرحٍ لسلوكيات غير مسؤولة. فرمي النفايات في غير أماكنها، وإتلاف المسطحات الخضراء، والعبث بالألعاب والمقاعد، وإشعال النار في غير مواضعها، كلها ممارسات تسيء للمكان وتحرمه من أداء دوره الحقيقي، كما تحرم الآخرين من حقهم في الاستمتاع به في بيئة نظيفة وآمنة.
إن هذه السلوكيات لا تقتصر أضرارها على تشويه المنظر العام فحسب، بل تتعداها إلى آثار صحية وبيئية ونفسية، وتزيد من الأعباء على الجهات الخدمية، التي تضطر إلى إعادة التنظيف والصيانة باستمرار بدل توجيه الجهود للتطوير والتحسين. كما أنها تخلق حالة من الإزعاج والضيق لدى مرتادي هذه الأماكن، خاصة العائلات التي تبحث عن متنفس آمن وهادئ لقضاء أوقات ممتعة بعيدًا عن الضوضاء والفوضى.
ومن المؤسف أن يُحرم الجميع من الاستفادة من هذه المرافق بسبب تصرفات فئة قليلة تفتقر إلى الوعي والإحساس بالمسؤولية. فالمكان العام لا يحتمل الأنانية، ولا يقبل الاستخدام الخاطئ الذي يتجاهل حقوق الآخرين. واحترام المكان هو في حقيقته احترام للناس، وتقدير للنعمة، وشكر لله على ما أنعم به من مرافق وخدمات.
وتبرز هنا أهمية تعزيز ثقافة الوعي المجتمعي، بدءًا من الأسرة التي تُعد اللبنة الأولى في غرس القيم، مرورًا بالمدرسة التي تُرسخ السلوك الحضاري، وصولًا إلى الإعلام والمنابر الدينية التي يقع على عاتقها دور كبير في التوجيه والتذكير. فحين يدرك الفرد أن المحافظة على النظافة واحترام المرافق العامة عبادة قبل أن تكون نظامًا، وسلوكًا أخلاقيًا قبل أن يكون التزامًا قانونيًا، فإن ذلك ينعكس إيجابًا على تصرفاته في كل مكان.
كما أن للأنظمة والتعليمات دورًا مهمًا في ردع السلوكيات السلبية، إلا أن الوعي الذاتي يظل هو الأساس. فالمجتمع الراقي لا يحتاج إلى رقابة دائمة بقدر ما يحتاج إلى ضمير حي، يشعر فيه كل فرد أن المحافظة على المكان العام مسؤولية شخصية لا يجوز التهاون بها.
وفي الختام، نشكر أمانة محافظة جدة وأمينها معالى الأستاذ صالح التركى على جهوده الممتازة فى إنشاء الأماكن الترفيهية والعامة والشواطئ الراقية.
ونهيب لمن يقيم فوق أرضنا الغالية؛ المحافظة على نظافة الأرض والمكان والمرافق العامة واجب على كل مواطن ومقيم، وهي مقياس حقيقي لتحضّر المجتمعات ورقيها. وإن سوء استخدام الحدائق والأماكن العامة مشكلة حقيقية ومزعجة، تحرم الجميع من الاستمتاع بها، ولا بد من مواجهتها بالوعي، والتربية، والتعاون المشترك؛ فلنحرص جميعًا على رفع الأذى عن الطريق، واحترام المكان، وصون النعمة، حتى تبقى مرافقنا العامة متنفسًا جميلًا يليق بنا وبقيمنا الإسلامية الأصيلة.










































