اخبار الاردن
موقع كل يوم -زاد الاردن الاخباري
نشر بتاريخ: ٢٠ أب ٢٠٢٦
زاد الاردن الاخباري -
في الوقت الذي يبدو فيه الشارع الأردني أكثر هدوءًا مما توحي به طبيعة الإقليم المشتعل، تتحرك السياسة الأردنية في مساحة شديدة الحساسية، بين حسابات الداخل ومقتضيات الجغرافيا السياسية، وبين الحفاظ على استقرار الدولة والتعامل مع تحولات إقليمية متسارعة لا تترك لأحد رفاهية الانتظار.
الأردن، بحكم موقعه، ليس جزيرة معزولة عن محيطه. وما يجري حوله من تطورات سياسية وأمنية واقتصادية يفرض نفسه على القرار الوطني، سواء في ملف القضية الفلسطينية، أو في أمن الحدود، أو في العلاقات مع القوى الإقليمية والدولية. لكن خصوصية الحالة الأردنية تكمن في أن التعامل مع هذه الملفات لا يجري بمنطق رد الفعل، بل ضمن معادلة دقيقة عنوانها الأول: حماية المصالح الوطنية والحفاظ على استقرار البلاد.
في الداخل، تبدو الأولوية واضحة: اقتصاد يحتاج إلى مزيد من فرص العمل والاستثمار، ومواطن يريد أن يرى أثرًا ملموسًا للخطط والوعود، ومشهد سياسي يحتاج إلى مزيد من الثقة بين الدولة والمجتمع. فالهدوء في الشارع لا يعني بالضرورة غياب الأسئلة، كما أن الاستقرار لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره نهاية للنقاش العام، بل فرصة لبناء سياسات أكثر قدرة على الاستجابة لتطلعات الأردنيين.
أما في الإقليم، فالمعادلة أكثر تعقيدًا. الأردن يجد نفسه أمام ملفات لا يستطيع تجاهلها، ولا يستطيع في الوقت ذاته تحمل كلفتها منفردًا. ومن هنا تأتي أهمية الدبلوماسية الأردنية التي تحاول، تقليديًا، الحفاظ على شبكة علاقات متوازنة مع الأطراف المختلفة، دون التخلي عن الثوابت الوطنية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية ورفض أي محاولات لفرض حلول على حساب الأردن أو حقوق الشعب الفلسطيني.
السؤال الحقيقي، إذن، ليس أين يقف الأردن من صخب الإقليم، فهو يقف حيث تقتضي مصالحه وثوابته الوطنية، وإنما كيف يستطيع أن يحول هذا الموقع الحساس من عبء جيوسياسي إلى مساحة تأثير، ومن مجرد دولة تتأثر بما حولها إلى دولة قادرة على صياغة جزء من المشهد الذي يحيط بها.
ولعل التحدي الأكبر أمام السياسة الأردنية اليوم هو الحفاظ على التوازن: ألا يتحول الانخراط الإقليمي إلى استنزاف للموارد أو المخاطر، وألا يتحول الحذر السياسي إلى عزلة، وألا يصبح الاستقرار الداخلي مبررًا لتأجيل الإصلاحات التي يحتاجها المجتمع والدولة معًا.
الأردنيون يدركون حجم المخاطر المحيطة ببلادهم، لكنهم في الوقت نفسه يريدون سياسة واضحة، وموقفًا مفهومًا، وخطابًا صريحًا يضع المصالح الوطنية في مقدمة الأولويات. وهذه ليست مطالبة بمواقف صاخبة، بقدر ما هي مطالبة بوضوح هادئ، وهو ربما أكثر ما تحتاجه الدول في أوقات الأزمات.
إن قوة الأردن لم تكن يومًا في امتلاك فائض القوة، وإنما في قدرته على إدارة محدودية الموارد بحكمة، وعلى تحويل الاعتدال إلى موقف، والدبلوماسية إلى أداة نفوذ، والاستقرار إلى قاعدة للبناء لا مجرد هدف بحد ذاته.
وبين هدوء الشارع وصخب الإقليم، تبقى السياسة الأردنية أمام اختبار مستمر: كيف تحمي الداخل دون أن تغيب عن الخارج، وكيف تحضر في الإقليم دون أن تدفع ثمنًا يفوق قدرتها، وكيف تتمسك بثوابتها دون أن تغلق أبواب الحركة.
في هذه المنطقة المتغيرة، لا تكفي الإجابات الجاهزة. المطلوب سياسة تقرأ ما وراء الأحداث، وتستبق التحولات، وتعرف متى تقول نعم، ومتى تقول لا، ومتى يكون الصمت المحسوب أكثر تأثيرًا من الخطاب المرتفع.
وهنا تحديدًا، تقف عمّان: هادئة في الشارع، يقظة في القرار، ومطالبة بأن تبقى بوصلتها ثابتة وسط إقليم لا يعرف الثبات.












































