اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ٢٥ حزيران ٢٠٢٦
السوسنة - في مشهد غير مألوف في مخيم المغازي وسط قطاع غزة، تحول تدفق مادة إسمنتية سائلة من المنطقة الشرقية للمخيم إلى حدث استثنائي جذب مئات المواطنين الباحثين عن وسيلة لترميم منازلهم المتضررة أو تحسين ظروف إقامتهم داخل الخيام. وعلى مدار أيام، توافد السكان إلى موقع التدفق حاملين الدلاء والخزانات الصغيرة لجمع المادة التي رأوا فيها فرصة نادرة في ظل النقص الحاد في مواد البناء وارتفاع أسعارها، لتنشأ حولها قصص متعددة تعكس حجم المعاناة اليومية ومحاولات التكيف مع آثار الحرب والدمار.
إسمنت غامض
روى المواطن يحيى سالم، من سكان مخيم المغازي، تفاصيل ظاهرة غريبة شهدتها المنطقة الشرقية الجنوبية من المخيم، حيث بدأت عصر يوم الأحد مادة سائلة صفراء اللون بالتدفق بشكل مستمر من المنطقة، قبل أن تتحول لاحقا إلى ما يشبه الإسمنت السائل.
وقال سالم إن المادة كانت تجري على شكل نهر صغير متواصل، ولم يتوقف تدفقها لمدة يومين كاملين، الأمر الذي أثار استغراب السكان ودفعهم إلى التساؤل عن مصدرها وطبيعتها. وأضاف أن الكميات المتدفقة كانت كبيرة وغير معتادة، إذ استمرت بالجريان دون انقطاع في الشوارع والمناطق المحيطة.
وأوضح سالم أنه استغل هذه المادة الإسمنتية في ترميم الأضرار التي لحقت بمنزله نتيجة القصف الذي تعرض له المخيم خلال الحرب، مشيرا إلى أن منزله يضم العديد من الفتحات والثغرات في الجدران والأرضيات.
وقال: «بدأت أجمع الإسمنت السائل وأستخدمه لإغلاق الثقوب والشقوق الموجودة في البيت، لأن الجرذان والصراصير كانت تدخل من خلالها بشكل مستمر، ما تسبب لنا معاناة يومية».
وأشار إلى أن الأضرار التي خلفها القصف جعلت المنزل أكثر عرضة لدخول الحشرات والقوارض، في ظل صعوبة الحصول على مواد البناء وارتفاع أسعارها، الأمر الذي دفعه إلى الاستفادة من هذه المادة المتدفقة لمعالجة بعض المشكلات الأساسية في المنزل.
وتعكس هذه الحادثة حجم التحديات التي يواجهها سكان قطاع غزة، حيث يضطر كثيرون إلى البحث عن حلول بديلة ومبتكرة لترميم منازلهم المتضررة والتكيف مع الظروف الصعبة التي يعيشونها نتيجة استمرار آثار الحرب والدمار.
حلول قاسية
قال المواطن عزام أبو الندى، الذي نزح إلى مخيم المغازي منذ بداية الحرب، إنه يقيم مع أسرته في خيمة منصوبة على حافة شارع ترابي، ويعاني من ظروف معيشية صعبة نتيجة استمرار النزوح وغياب مقومات السكن الملائمة.
وأوضح أبو الندى أنه عندما سمع عن تدفق مادة إسمنتية من الجهة الشرقية للمخيم، سارع إلى التوجه إلى المكان برفقة أطفاله للاستفادة منها. وأضاف: «أحضرت خزانات صغيرة وبدأت أجمع الإسمنت المتدفق، رغم أنه ليس مثل الإسمنت الطبيعي، فهو ممزوج بكميات كبيرة من الماء وقوته ليست عالية».
وأشار إلى أنه لم يكن يبحث عن بناء جدران أو إنشاء مرافق جديدة، بل عن وسيلة بسيطة لتحسين ظروف الحياة داخل الخيمة. وقال: «أخذت هذه المادة لأجعل أرضية الخيمة إسمنتية بدل التراب، فالأرض الترابية تسبب لنا الكثير من المشكلات، خاصة مع حركة الأطفال والغبار والرطوبة».
وأكد أن آلاف النازحين يضطرون إلى اللجوء إلى أي حلول متاحة تساعدهم على التكيف مع واقع النزوح القاسي، في ظل النقص الحاد في مواد البناء وارتفاع أسعارها وصعوبة الحصول عليها. وأضاف أن تحويل أرضية الخيمة من التراب إلى طبقة إسمنتية، حتى وإن كانت بسيطة، يمكن أن يخفف جزءا من معاناة الأسرة ويوفر بيئة أكثر استقرارا للأطفال.
مزاد الإسمنت
وقال المواطن خالد عامر إن تدفق الإسمنت السائل في شارع مسجد حسني المصدر في مخيم المغازي استمر دون توقف، ما دفع أعدادا كبيرة من السكان إلى التوافد إلى المنطقة من مختلف أنحاء المخيم والمناطق المجاورة للاستفادة منه.
وأوضح عامر أن الإقبال الكبير على المادة المتدفقة خلق حالة غير مسبوقة بين المواطنين، حيث بدأ البعض بجمع الإسمنت وبيعه للآخرين في ظل الحاجة الشديدة إلى مواد البناء. وأضاف: «الناس جاءت من أماكن مختلفة للحصول على الإسمنت، وتحول المكان إلى ما يشبه المزاد العلني بسبب كثرة الطلب عليه».
وأشار إلى أن سعر الدلو الواحد من الإسمنت كان في بداية الأمر يصل إلى 20 شيكلًا نتيجة الإقبال الكبير، قبل أن ينخفض تدريجيا إلى 5 شواكل مع زيادة الكميات المتاحة وتوسع عمليات الجمع والنقل بين السكان.
وأكد أن المشهد يعكس حجم الأزمة التي يعيشها المواطنون في ظل شح مواد البناء وصعوبة الحصول عليها، حيث أصبح كثيرون يبحثون عن أي مصدر بديل يمكن أن يساعدهم في إصلاح منازلهم المتضررة أو تحسين أوضاع الخيام والمساكن المؤقتة.
وبيّن عامر أن استمرار تدفق الإسمنت جذب المئات من السكان الذين اصطفوا لملء الدلاء والخزانات الصغيرة، بينما اتجه آخرون إلى شرائه مباشرة ممن تمكنوا من جمع كميات أكبر، في مشهد يعكس الحاجة الملحة إلى مواد الترميم وإعادة التأهيل داخل المخيم.
وفي ظل الأوضاع الإنسانية الصعبة التي يعيشها سكان قطاع غزة، لم يكن تدفق الإسمنت مجرد حادثة عابرة، بل تحول إلى فرصة استثنائية استغلها المواطنون لتلبية احتياجات ملحة فرضتها الحرب. وبين الدلاء التي امتلأت بالإسمنت والبيوت والخيام التي استفادت منه، تتجسد معاناة السكان وإصرارهم على التمسك بالحياة وإيجاد بدائل تساعدهم على مواجهة آثار الدمار المستمرة.












































