اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٨ تشرين الأول ٢٠٢٦
د. مها الدخيل
من وطنٍ كان يبعث أبناءه إلى مختلف بقاع الأرض طلباً للعلم والمعرفة، إلى وطنٍ تقصده العقول، وتشد إليه الرحال، وتتطلع إلى جامعاته أنظار الطلاب والباحثين من شتى أنحاء العالم. هكذا تمضي المملكة العربية السعودية في مسيرتها التعليمية الطموحة، تبني صروح العلم، وتستقطب أصحاب الفكر، وتؤسس لمكانة علمية عالمية تليق بتاريخها ومكانتها وطموحاتها، في نهضة تعليمية تتسع آفاقها عاماً بعد عام، وتتعاظم إنجازاتها جيلاً بعد جيل.
إنها السعودية التي جعلت من التعليم استثماراً في الإنسان، ومن المعرفة جسراً بين الأمم، ومن البحث العلمي طريقاً للتقدم والازدهار، فقد أدركت أن قوة الدول لا تستمد من ثرواتها الاقتصادية وإمكاناتها المادية وحدها، وإنما من عقول أبنائها، وكفاءة مؤسساتها، وقدرتها على إنتاج المعرفة واستقطاب العلماء والمبدعين. وفي ظل رؤية المملكة 2030، أخذ التعليم العالي موقعاً متقدماً في مسيرة التنمية الوطنية، وأصبح رافداً 'للقوة الناعمة' ووسيلة لتعزيز العلاقات الدولية، وأداة فاعلة للدبلوماسية التعليمية التي تقرب بين الشعوب وتؤسس لشراكات علمية وثقافية مستدامة.
وها هي الجامعات السعودية اليوم تستقبل طلاباً من جنسيات وثقافات متعددة، يجتمعون في قاعات الدراسة، ويتعاونون في المختبرات، ويتشاركون الطموحات والأفكار، تجمعهم الرغبة في التعلم، ويوحدهم السعي إلى التفوق والإنجاز. إنها صورة مشرقة لوطن جعل من مؤسساته التعليمية ملتقى للعقول، ومن جامعاته جسوراً للتواصل الحضاري، ومن بيئاته الأكاديمية وجهة للباحثين عن التميز العلمي والفرص البحثية الواعدة.
ولعل من أبرز الخطوات التي اتخذتها المملكة في هذا الاتجاه إطلاق منصة (ادرس في السعودية)، تلك المبادرة التي أتاحت للطلاب الدوليين التعرف على الجامعات السعودية وبرامجها الأكاديمية، والتقدم للفرص والمنح الدراسية من خلال إجراءات رقمية ميسرة.
فذلك الطالب الذي يغادر وطنه قاصداً إحدى الجامعات السعودية، يعود بعد سنوات الدراسة حاملاً شهادة علمية، وتجربة إنسانية، وذكريات عن وطن احتضنه، ومجتمع تعرف إلى قيمه وثقافته، وزملاء جمعته بهم مقاعد الدراسة وأروقة الجامعات. وقد يصبح هذا الطالب بعد تخرجه (سفيراً) للمحبة والتواصل، وجسراً للتعاون بين بلده والمملكة، بما يجعل أثر التعليم ممتداً إلى ما بعد التخرج، وعلاقاته أعمق من حدود الشهادات والمؤهلات.
وإذا كانت الجامعات مرآة لتقدم الأمم، فإن ما حققته الجامعات السعودية من تطور في التصنيفات الأكاديمية العالمية يستحق الإشادة والتقدير. فقد تقدمت جامعات سعودية في تصنيفات دولية مرموقة، من بينها تصنيفا (QS) و(شنغهاي)، مستندة إلى استثمارات كبيرة في تطوير التعليم والبحث العلمي، واستقطاب الكفاءات الأكاديمية، وتعزيز التعاون مع المؤسسات العلمية الدولية.
وفي ميادين الطب والهندسة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة، تتسع مجالات البحث والتعاون العلمي، وتتقدم المشروعات الأكاديمية المشتركة، وتتنامى فرص تحويل الأفكار البحثية إلى تطبيقات عملية ذات قيمة علمية واقتصادية. إنها استثمارات في العقل البشري قبل المباني والمنشآت، وفي المستقبل قبل الحاضر، وفي أجيال قادرة على مواصلة البناء والإبداع، والمشاركة في تقدم العلوم وخدمة المجتمعات.
وما أجمل أن تصبح الجامعات ملتقى للثقافات، وأن تتحول المعرفة إلى لغة مشتركة بين الشعوب، فالدبلوماسية التعليمية لا تنحصر في الاتفاقيات الرسمية والزيارات الأكاديمية، وإنما تمتد آثارها إلى الصداقات التي تنشأ بين الطلاب، والمشروعات التي تجمع الباحثين، والخبرات التي تنتقل بين المؤسسات، والثقة التي تنمو بين المجتمعات.
ولا تقف ثمار هذا التوجه عند حدود التعليم والبحث العلمي، بل تمتد إلى الاقتصاد الوطني، حيث يسهم استقطاب الطلاب الدوليين في تنشيط قطاعات السكن والنقل والخدمات والسياحة، ويدعم نمو الاستثمارات المرتبطة بالتعليم والتكنولوجيا والابتكار. كما أن تعزيز الشراكات بين الجامعات والمؤسسات الاقتصادية يتيح فرصاً أوسع للاستفادة من نتائج البحوث العلمية، وتطوير الصناعات المعرفية، وإعداد الكفاءات التي تحتاج إليها القطاعات المستقبلية.
هكذا ترسم السعودية ملامح مستقبلها العلمي؛ ريادةٌ تُبنى على أرضية صلبة من الابتكار والشراكة الدولية، ومكانةٌ تترسخ بين الأمم، ورسالةٌ حضارية خالدة يمتد أثرها على مرّ العصور.










































