اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٢ أيار ٢٠٢٦
د. محمد المسعودي
في الهوية الجديدة لـ'موهبة' يخرج 'ختم الملك عبدالعزيز' من ذاكرة التأسيس إلى أفق المستقبل؛ من وثيقة السيادة الأولى إلى وثيقة العقل القادم، وهنا تتكثف رمزية المؤسسة باسمها الكامل 'مؤسسة الملك عبدالعزيز ورجاله للموهبة والإبداع' عبر ملك مؤسس، ورجال حملوا معه مشروع الدولة، وأجيال موهوبة تحمل اليوم مشروع المعرفة وتقود الرؤية..
في الأمم التي تمضي نحو المستقبل بعقول أبنائها، تتحول الهوية المؤسسية إلى مرآة مرحلة ووثيقة وعي تختزل صورة الدولة وهي تعيد تشكيل علاقتها بالمعرفة والإنسان والزمن. ومن هذا الامتداد جاءت الهوية الجديدة التي أطلقتها مؤسسة الملك عبدالعزيز ورجاله للموهبة والإبداع «موهبة»؛ هوية تحمل ملامح لحظة سعودية استثنائية، تتقدم فيها الموهبة إلى قلب المشروع الوطني، ويتحوّل فيها العقل المبدع إلى قيمة سيادية تعكس حضور المملكة ومكانتها عالميًا. لذلك بدا إطلاق الهوية أقرب إلى تدشين سردية رمزية وطنية جديدة، تستلهم روح التأسيس، وتمضي بها نحو أفق الرؤية السعودية ومستقبلٍ أكثر اتساعًا وطموحًا.
وفي عمق هذه الهوية تقف ثلاثة ظلال كبرى صنعت المعنى قبل الألوان والخطوط؛ الملك عبدالعزيز ورجاله الأوفياء الشجعان الذين أسسوا الدولة وفتحوا الطريق، وخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز -رحمه الله- الذي رأى في الموهبة ثروة وطنية تستحق الوقف والرعاية والدعم، حتى وضع وقف موهبة، مورثًا عبارته الشهيرة: «إن الموهبة دون اهتمام من أهلها، أشبه ما تكون بالنبتة الصغيرة دون رعاية أو سقيا». ثم جاءت النظرة الاستشرافية لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- حين طرح مبكراً فكرة إنشاء كيان وطني يُعنى بالموهوبين، لتتحول الفكرة إلى واحدة من أهم مؤسسات صناعة العقل العربي.
وفي خلفية هذا المشهد تقف مؤسسة الملك عبدالله الإنسانية العالمية العامرة، باعتبارها الامتداد الوقفي والإنساني لفكرة الاستثمار في الإنسان، ورسخت حضور 'موهبة' بوصفها مؤسسة وقفية غير ربحية تتجاوز حدود البرامج التعليمية إلى صناعة أثر وطني طويل المدى.
في الهوية الجديدة لـ'موهبة'، يخرج 'ختم الملك عبدالعزيز' من ذاكرة التأسيس إلى أفق المستقبل؛ من وثيقة السيادة الأولى إلى وثيقة العقل القادم. هنا تتكثف رمزية المؤسسة باسمها الكامل: مؤسسة الملك عبدالعزيز ورجاله للموهبة والإبداع. الاسم ذاته يفتح باب القراءة؛ ملكٌ مؤسس، ورجال حملوا معه مشروع الدولة، وأجيال موهوبة تحمل اليوم مشروع المعرفة وتقود الرؤية. بهذا المعنى تصبح الهوية الجديدة امتداداً لقيمة التأسيس، ومرآة لفكرة سعودية ترى الإنسان المبدع ركناً من أركان القوة الوطنية.
كما أن استلهام عناصر الهوية من 'ختم الملك عبدالعزيز' منح المشروع بعداً رمزياً بالغ العمق؛ فالأختام في الذاكرة السياسية تعلن حضور الدولة واستمرارية مشروعها التاريخي، وانتقال هذا الرمز إلى مؤسسة تُعنى بالموهوبين يكشف تحولاً مهماً في الوعي الوطني؛ إذ ارتبطت الثروة بالعقول القادرة على إنتاج المعرفة وصناعة الابتكار. هنا يتحول الموهوب السعودي إلى امتداد معاصر لفكرة التأسيس ذاتها.
الهوية الجديدة لا يمكن قراءتها بعيداً عن المنجزات التي راكمتها 'موهبة' خلال الأعوام الماضية؛ بدءاً من مسارات اكتشاف الطلبة الموهوبين، والبرامج العلمية والإثرائية، وبرامج التأهيل الجامعي، وصولاً إلى الأولمبيادات الدولية التي شهدت حضوراً سعودياً متصاعداً. على موقع موهبة الرسمي تظهر الأرقام باعتبارها سيرة إنجاز؛ إذ تسجل المؤسسة 185 جائزة كبرى وخاصة في معرض آيسف، و833 مشاركاً في المنافسات الإقليمية والدولية، و691 ميدالية وشهادة تقدير دولية، ثم جاءت قفزة 2025 بتحقيق المملكة 116 جائزة عالمية، مع المرتبة الثانية عالمياً بعد الولايات المتحدة، بينها 25 جائزة في آيسف و91 ميدالية عبر 23 أولمبياداً علمياً. هذه الأرقام ترسم ملامح جيل يعيد تشكيل صورة السعودي في الوعي العالمي.
يقول الأمير المفكر خالد الفيصل: 'ليتك يابو تركي تشوف دارك هنوف.. دارك على الدنيا تنـوف ليتك تشوف عيالك.. ليتك تشوف رجالك اللي على أساسك بنو.. واللي على دربك مشو في كل قرية دار للعلم وضمان.. وفي كل شارع دار للمال وأمان في كل حي مسجد وفي كل صوب معهد.. والنور عم أقصى البلاد'
هذه الأبيات الشعرية تمنح الهوية الجديدة معناها الأعمق؛ فالقارئ يرى الملك عبدالعزيز ورجاله وقد أناخوا الركب على أبواب هذا العصر، ثم التفتوا إلى جيل اليوم قائلين: هذا ما استطعنا بناءه، أما الدور الآن فدوركم. هنا يظهر الموهوبون بوصفهم الورثة الحقيقيين لفكرة البناء الوطني؛ حيث المستقبل ينتظر العقل القادر على حمل المعرفة وصناعة التفوق.
ختامًا، وحين تتأمل المملكة هويتها الجديدة عبر «موهبة»، يظهر وطنٌ يواصل كتابة حضوره العالمي بلغة العلم والطموح والابتكار. الختم الذي عبر من يد الملك المؤسس إلى هوية الموهوبين يحمل ذاكرة دولة صنعت وحدتها بالإرادة، وتواصل اليوم، بدعم سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان آل سعود، الاستثمار في الإنسان وتمكين العقول الشابة ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030. هنا تتقدم «موهبة» بوصفها إحدى أكثر الصور تعبيراً عن التحول السعودي الكبير؛ قصة وطن يرى في أبنائه الموهوبين الامتداد الطبيعي لقصة التأسيس، ويكتب مستقبله بأيدي الموهوبين.










































