اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٣ حزيران ٢٠٢٦
د. محمد المسعودي
بين الأمس واليوم رحلة اختصرتها الجامعات والمختبرات وبرامج الابتعاث ومراكز البحث العلمي؛ رحلةٌ أوصلت التجربة السعودية إلى فضاءات الدراسة والتأمل، لتصبح جزءًا من الحوار العالمي، وتلك إحدى العلامات الفارقة في مسيرة الأمم؛ أن تنتقل من دراسة التجارب إلى صناعة تجربة تستحق أن تُقرأ وتُدرَّس..
في جامعة ديوك الأميركية، إحدى أبرز الجامعات البحثية في العالم، حظيت التجربة السعودية في بناء منظومة المعرفة باهتمام أكاديمي لافت، ومن بين من توقفوا عند هذه التجربة الباحثة ليلي بيرموديز، التي نشرت مقالها التحليلي في منصة سياسات التقنية في سانفورد جامعة ديوك، تناولت فيها التحولات التي تشهدها المملكة في ربط التعليم بالابتكار والبحث العلمي والتنمية البشرية.
ولعل أجمل ما في التجارب الكبرى عندما تُقرأ أحيانًا من خارج حدودها، فجاءت هذه القراءة عقب جلسة 'Building the Next Knowledge System' التي قدمتها نائب وزير التعليم الدكتورة إيناس العيسى، واستعرضت خلالها ملامح التحول الذي تشهده المملكة في بناء منظومة معرفية متكاملة تنظر إلى التعليم بوصفه ركيزة للتنمية والابتكار واقتصاد المعرفة.
ومن اللافت في قراءة 'بيرموديز' عدم توقفها عند الأرقام والمؤشرات بقدر ما ركزت على التحول الذي تعكسه هذه الأرقام؛ تحولٌ ينقل التعليم من كونه قطاعًا خدميًا إلى كونه أحد المحركات الرئيسة للتنمية الوطنية وبناء القدرة التنافسية في المستقبل.
كانت الأرقام حاضرة في العرض، لكنها بدت أقرب إلى شواهد على مسيرة ممتدة لا مجرد مؤشرات إحصائية. فعندما نتحدث عن منظومة تعليم عام تضم 6.8 ملايين طالب وطالبة، وتعليم عالٍ يحتضن 1.6 مليون طالب وطالبة، فإننا لا نتحدث عن مؤسسات تعليمية فحسب، بل عن أجيال كاملة تشارك في مشروع وطني واسع تتداخل فيه المعرفة مع الاقتصاد والتنمية والقدرة التنافسية.
ومن بين هذه الأرقام يبرز مؤشر يحمل دلالة خاصة؛ فـ63 % من سكان المملكة تقل أعمارهم عن ثلاثين عامًا، وهو رقم يكشف جانبًا مهمًا من الحراك الذي تشهده البلاد في مجالات التعليم والابتعاث وتنمية القدرات البشرية، فحين يكون المجتمع شابًا بهذا الحجم، يصبح الاستثمار في التعليم استثمارًا مباشرًا في المستقبل، وتتحول الجامعات ومؤسسات التدريب إلى رافعة أساسية للتنمية الوطنية.
وتأتي قصة الابتعاث بوصفها أحد أهم فصول هذه الرحلة. فمنذ انطلاق برامج الابتعاث السعودية تشكلت جسور معرفية واسعة بين المملكة والعالم، حيث درس أكثر من 160 ألف مبتعث ومبتعثة في نحو 70 دولة، واتجهت أعداد كبيرة منهم إلى جامعات تتصدر التصنيفات العالمية، وخلف هذه الأرقام تقف قصص آلاف الشباب الذين عادوا بخبرات علمية ومهنية اكتسبوها من الجامعات والمختبرات ومراكز البحث حول العالم، وأسهموا في نقل المعرفة وتوطينها داخل المملكة.
كما برز خلال العرض مفهوم مختلف للجامعة الحديثة؛ ليس بوصفها مؤسسة تمنح الشهادات فحسب، بل باعتبارها بيئة لإنتاج المعرفة والبحث العلمي وتطوير الحلول وصناعة الابتكار، ومن هنا جاء الحديث عن الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة والبحث العلمي ضمن سياق واحد، باعتبارها عناصر مترابطة تشكل أساس اقتصاد المعرفة وتدعم تنافسية الدول في القرن الحادي والعشرين.
ومن الجميل أن الباحثة 'بيرموديز' التقطت هذه الفكرة تحديدًا في قراءتها للجلسة، مشيرةً إلى أن بناء 'نظام المعرفة القادم' يمتد إلى العلاقة بين المعرفة والاقتصاد والتنمية الوطنية، وهي ملاحظة جوهرية؛ لأن القيمة الحقيقية للجامعات الحديثة تظهر عندما تتحول المعرفة إلى أبحاث مؤثرة، ومنتجات مبتكرة، وشركات ناشئة، وفرص عمل، وحلول تسهم في تحسين جودة الحياة.
وتكشف الأرقام جانبًا آخر من حجم الرهان الوطني على التعليم والمعرفة؛ إذ ارتفعت ميزانية التعليم من 47 مليار ريال عام 2002 إلى 202 مليار ريال في عام 2026. وبين الرقمين مسيرة طويلة من التوسع في بناء الجامعات، وتطوير البرامج الأكاديمية، واستقطاب الكفاءات، وتعزيز البحث العلمي، وتوسيع فرص التعلم.
وفي جانب آخر من المشهد، تبرز الإنجازات العلمية التي حققها الطلبة السعوديون في المنافسات الدولية، حيث حصدوا 321 جائزة عالمية، من بينها 40 ميدالية ذهبية، وهي نتائج تعكس تطور البيئة التعليمية وقدرتها على اكتشاف المواهب وصقلها وتمكينها من المنافسة على المستوى الدولي.
وعندما تُقرأ هذه المؤشرات مجتمعة، تتضح صورة أوسع من مجرد أرقام متفرقة، فظهور التجربة السعودية في منصات أكاديمية عالمية مرموقة لا يرتبط بالأرقام وحدها، بل بما تطرحه من أسئلة وتجارب ورؤى تستحق الدراسة والمتابعة. فالجامعات البحثية الكبرى لا تهتم بعرض الإنجازات بقدر اهتمامها بالنماذج التي تقدم دروسًا جديدة في التنمية وبناء المعرفة.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم الاهتمام المتزايد بالتجربة السعودية؛ بوصفها محاولة لبناء منظومة تربط التعليم بالبحث العلمي والابتكار وتنمية القدرات البشرية ضمن مشروع وطني طويل المدى، يسعى إلى إعداد الإنسان وتمكينه ليكون المحرك الأساسي للتنمية.
وعندما تنتهي مثل هذه الحوارات الأكاديمية، تبقى الصورة الأهم أبعد من الأرقام والعروض التقديمية؛ صورة وطن استثمر طويلًا في الإنسان والمعرفة، وبدأت نتائج هذا الاستثمار تجد طريقها إلى دوائر النقاش الأكاديمي الدولي. فبعد سنوات كانت فيها المملكة تتابع تجارب الآخرين وتستفيد منها، أصبحت اليوم تقدم تجربتها الخاصة بوصفها حالة تستحق القراءة والتحليل والنقاش.
وبين الأمس واليوم رحلة اختصرتها الجامعات والمختبرات وبرامج الابتعاث ومراكز البحث العلمي؛ رحلة أوصلت التجربة السعودية إلى فضاءات الدراسة والتأمل، لتصبح جزءًا من الحوار العالمي حول مستقبل التعليم وتنمية القدرات البشرية واقتصاد المعرفة، وتلك إحدى العلامات الفارقة في مسيرة الأمم؛ أن تنتقل من دراسة التجارب إلى صناعة تجربة تستحق أن تُقرأ وتُدرَّس.










































