اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٢ أيار ٢٠٢٦
د. فهد محمد بن جمعة
شهد عام 2026 واحدًا من أكثر الأعوام تعقيدًا في أسواق الطاقة العالمية، نتيجة تداخل تقلبات الأسعار مع تداعيات التوترات الجيوسياسية والحرب الإقليمية، مما انعكس بصورة مباشرة على هيكل الإيرادات العامة في المملكة. ومع ذلك، أظهرت المالية العامة قدرة واضحة على التكيّف مع هذه المتغيرات، مدعومة بنمو الإيرادات غير النفطية واستمرار السياسة المالية التوسعية، بما يعزز تكامل مصادر الدخل ويحد تدريجيًا من حساسية الاقتصاد لتقلبات النفط.
وسجّلت الإيرادات النفطية خلال الربع الأول تراجعًا طفيفًا بـ3 % على أساس سنوي إلى 144.7 مليار ريال، وهو أدنى مستوى منذ الربع الثاني من 2021. ويعكس ذلك تأثر الإيرادات بتقلبات الأسواق، خصوصًا مع اضطرابات سلاسل الإمداد وإغلاق مضيق هرمز، إضافة إلى انخفاض الإنتاج بنحو 2.3 مليون برميل يوميًا إلى 7.8 ملايين برميل يوميًا في مارس. ورغم ذلك، حافظت الإيرادات النفطية على قدر من الصلابة بفضل مرونة البنية التحتية وكفاءة إدارة الإنتاج والتصدير، خاصة خطوط الأنابيب بين شرق المملكة وغربها، التي أتاحت تحويل نحو 5 ملايين برميل يوميًا من الصادرات إلى البحر الأحمر وضمان استمرار التدفقات النفطية.
وفي المقابل، حدّ ارتفاع الأسعار من أثر تراجع الكميات، مع صعود الأسواق الفورية في مارس نتيجة اضطرابات التدفقات النفطية وتراجع كفاءة الشحن، مما دعم الأسعار واتساع الفجوة بين العقود الفورية والآجلة. وبلغ متوسط خام برنت 103.84 دولارات وغرب تكساس 91.16 دولارًا، فيما تجاوز خام العربي الخفيف 100 دولار للبرميل، مما دعم الإيرادات النفطية رغم انخفاض الصادرات، كما أسهمت العلاوات السعرية لأرامكو وقوة الطلب الآسيوي والأوروبي في رفع صافي أرباح الشركة بـ26 % إلى 126 مليار ريال في الربع الأول.
وفي نفس الوقت، واصلت الإيرادات غير النفطية نموها، مرتفعة بـ2 % إلى 116.3 مليار ريال في الربع الأول، مع مساهمة بلغت 44.5 % من إجمالي الإيرادات. ويعكس ذلك اتساع القاعدة الاقتصادية وتنامي مساهمة القطاعات غير النفطية، خصوصًا الضرائب والخدمات والاستثمارات، بما يؤكد فاعلية برامج التنويع الاقتصادي في تقليل الاعتماد على النفط وتعزيز استدامة المالية العامة.
وتزامنًا مع ذلك، ارتفع الإنفاق الحكومي بـ20 % إلى 386.7 مليار ريال، مدفوعًا بزيادة الإنفاق العسكري بـ26 % ونمو الإنفاق الرأسمالي بنحو 56 % لدعم المشاريع الاستراتيجية والبنية التحتية، ما أدى إلى تسجيل عجز بلغ نحو 126 مليار ريال في الربع الأول. وتم تمويل هذا العجز عبر أدوات الدين ضمن استراتيجية تستهدف الحفاظ على الاستدامة المالية وتوفير السيولة دون السحب المكثف من الاحتياطيات.
وتبقى آفاق بقية العام مرتبطة بالتطورات الجيوسياسية واتجاهات أسواق الطاقة. ففي حال استقرار الأوضاع وعودة التدفقات بصورة طبيعية، قد تتحسن الإيرادات النفطية مع بقاء الأسعار بين 90 و100 دولار للبرميل خلال الربع الثاني. أما إذا استقرت الأسعار بين 80 و90 دولارًا حتى نهاية العام مع ارتفاع الصادرات إلى متوسط 6.7 مليون برميل يوميًا، فقد تتمكن المالية العامة من تقليص العجز بصورة ملموسة وربما الاقتراب من التوازن المالي.
ويعكس عام 2026 تحولًا هيكليًا في الاقتصاد السعودي، إذ لم تعد الإيرادات النفطية المحرك الوحيد للمالية العامة، بل أصبحت جزءًا من منظومة أكثر توازنًا تتكامل فيها الإيرادات النفطية وغير النفطية، بما يدعم الاستدامة المالية ويعزز النمو الاقتصادي على المدى المتوسط والطويل.










































