اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٢ تشرين الأول ٢٠٢٦
د. بدر بن سعود
لا بد من التنبيه لما يترتب على الصمت النفعي في الأنظمة السعودية، وأن شهادة الزور لا تتوقف عند القول الباطل وحده، وإنما تمتد لكتمان الشهادة عمدًا، وما تؤدي إليه من ضياع الحقوق بين الناس، بجانب أنها تضع صاحبها في دائرة الشبهة والتواطؤ.. وفي رأيي؛ قيمة الإنسان تقاس بأمانته وأخلاقه والتزامه بالنظام، وليس بمقدار تمسكه بمركز قوة عابر، أو بصاحب وجاهة أو نفوذ، لن يفيده إذا تورط..
نشرت صحيفة الرياض في أواخر يونيو من العام الجاري، عن بداية العمل باللائحة التنفيذية لنظام حماية المبلغين والشهود، وذكرت أنها أقرت تدابير مشددة فيما يتعلق بسرية البيانات، ومعها إخفاء هوية المبلغ أو الشاهد لمنع محاولات الاعتداء عليه، أو ممارسة الضغوط الانتقامية والوظيفية ضده، وما سبق يشير إلى رغبة المنظومة التشريعية في إنهاء زمن الصمت القسري، ومواجهة من يتملقون الشخصيات النافذة والمؤثرة في مكان العمل، أو في الخلافات الاجتماعية وقضايا التركات، ويأتي هذا الإجراء التشريعي الجديد لتفكيك أزمة متجذرة في المجتمع السعودي، كانت تعمل باستمرار على إعادة ترتيب موازين القوى بداخله، وتجبر الأشخاص على اتخاذ قرارات تخالف مبادئهم وقناعاتهم الفعلية.
هذه المسألة وقف عليها عالم الاجتماع الأميركي تشارلز كولي، في نظريته المنشورة عام 1902، حول الذات المرآتية، والتي بيّن فيها كيف أن الأشخاص يقيمون أنفسهم، بناءً على أحكام الآخرين عنهم، وقال إنهم يعيشون صراعاً داخلياً بين الرغبة في قول الحقيقة بكل تفاصيلها، وبين ما يمكن أن يترتب عليها كردة فعل، قد تضر بمصالحهم الذاتية أو تؤذيهم نفسياً أو جسدياً، أو حتى تضعهم تحت مجهر النقد الاجتماعي، والأخيرة تجسدها العقدة المرتبطة بعبارة: وش يقول الناس، التي قد تتحول إلى كابوس مزعج، يفرض على الشخص التضحية بالعدالة، وبالحقوق الشرعية، تجنبا لعزله أو إقصائه أو اتهامه بالسفه.
الأصعب هو أن هذا الخوف يتعملق، ويصل إلى حد التحكم في القرارات المصيرية، وفي النزاعات الأسرية والمهنية للأشخاص، وعندها بقوم هؤلاء بممارسة ما يعرف بالامتثال النفعي، بمعنى أنهم يقفون بجانب الشخص الواصل أو القادر، في اعتقادهم، بنفوذه أو ماله أو علاقاته، حتى ولو كان ظالماً أو كاذباً، بحجة أنه سينتصر حتماً، وسيحصل على ما يريده برضاهم أو بدونه.. وفي علم الاجتماع، يقاس وزن سلطة المجتمع بقدرتها في إجبار الشخص على اتخاذ قرارات تخالف مبادئه، وعندما وضع عالم النفس الفرنسي غوستاف لوبون كتابه المعروفة باسم 'سيكولوجية الجماهير' في 1895، أوضح أن الناس داخل المجموعات يتنازلون بصورة طوعية عن أحكامهم الفردية لصالح تيار القوة والروح الجماعية المسيطر، والتنازل لا يأتي بفعل خوف عابر، وإنما في هيئة إذعان نفعي يلجأ إليه الشخص، بعد حساب أوزان القوى في محيطه، يختار بموجبه من يظنه الطرف الأقوى في المعادلة.
يدعم ذلك تجربة القوة الاجتماعية للزي الرسمي، التي نفذها في أميركا ليونارد بيكمان في 1974، ونشرت في مجلة علم النفس الاجتماعي التجريبي، بجامعة أوهايو الأميركية، وقد تضمنت اختبارا ميدانيا ركّز على تأثير مظهر الشخص النافذ في قبول الآخرين لكلامه، ووجد أن استجابة الناس لمن يرتدي ملابس عادية لا تتجاوز 42%، بينما في حالة من يرتدون زيًا يمثل النفوذ والسلطة، كرجال الشرطة أو المرور، تقفز استجابتهم إلى 92%، وهذا يقدم دليلاً على أن العقل البشري يربط تلقائيا بين المظهر الخارجي والمصداقية، ولعله يفسر أسباب محاباة الكثيرين للنافذ والاصطفاف معه، ولو كان ظالما لأقرب الناس إليه، والانحراف في مواقف الأشخاص وثّقته تجربة في معهد أبحاث الشخصية بجامعة كاليفورنيا بيركلي عام 1955، تقوم فكرتها على عزل كل شخص في غرفة وإيهامه أن بقية المشاركين اختاروا رأيًا، هو في واقعه غير منطقي، واللافت أن التجربة ذكرت أن الرغبة في الحفاظ على المكانة، جعلت الأشخاص ينحازون للآراء الكاذبة، مع علمهم أنها كاذبة، لمجرد اتفاق الغالبية عليها، أو لأنها صدرت من شخصية يعطونها وزنًا مبالغًا فيه، لأسباب اجتماعية أو مصلحية.
في ذات السياق نجد دليلًا آخر، وتحديدًا في قضية باتريشيا هيرست، حفيدة ملياردير الصحافة الأميركي ويليام هيرست، عام 1974، فقد قادت عملية خطفها وتهديدها وعزلها عن العالم إلى أخذها بروايات خاطفيها عن اضطهاد الدولة والمجتمع الرأسمالي لهم، وحملت السلاح معهم وشاركتهم في جرائمهم، باعتبارها الطريق الوحيد للخلاص، ما يعني أن الضحية باتريشيا تحوّلت إلى جلاد جديد.. والأمر لا يختلف في المجتمع السعودي، وبالأخص فيما يتعلق بتنازل بعض الأـشخاص عن مواقفهم حياءً أو خوفاً، عند حدوث النزاعات، وتحولهم من ضحايا إلى جلادين، بالسكوت عما يعرفونه من وقائع، لحماية مصالحهم المستقبلية أو لأغراص الوجاهة أو المجاملة، ويبدو الفارق عند مقارنة هذا السلوك بالحاصل في المجتمعات الغربية، ومن أمثلتها: قانون ساربينز أوكسلي الأميركي، الصادر في 2002، وقانون الممارسات الأجنبية الفاسدة في 1977، وكلاهما يفرض عقوبات جنائية مشددة على من يحابون أو يستجيبون لضغوط النافذين، وبما يضمن تجريد الشخص القوي من وجاهته المعنوية، بمجرد وقوفه أمام السلطة وسؤاله بشكل علني.
التشوهات السلوكية والنفعية في المجتمع السعودي، والتي كانت ممارسة معتادة في فترة سابقة، تمت حوكمتها بموجب النظام، وبأسلوب يعطل أسباب السكوت السلبي في الحياة العامة والخاصة، وهو توجه أشارت إليه دراسة نشرت في مجلة دراسات الإدارة البريطانية، عام 2003، ضمن ما يعرف بسيكولوجية الموظف المحايد، حيث وجدت أن الموظفين يختارون الصمت التام داخل المؤسسات، وخصوصا في التجاوزات التي يشارك فيها مسؤول صاحب نفوذ واسع، حتى لا يخسروا أعمالهم معه، ولا بد من التنبيه لما يترتب على الصمت النفعي في الأنظمة السعودية، وأن شهادة الزور لا تتوقف عند القول الباطل وحده، وإنما تمتد لكتمان الشهادة عمدا، وما تؤدي إليه من ضياع الحقوق بين الناس، بجانب أنها تضع صاحبها في دائرة الشبهة والتواطؤ.. وفي رأيي؛ قيمة الإنسان تقاس بأمانته وأخلاقه والتزامه بالنظام، وليس بمقدار تمسكه بمركز قوة عابر، أو بصاحب وجاهة أو نفوذ، لن يفيده إذا تورط.










































