اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٩ أيلول ٢٠٢٦
م. هاني الغفيلي
أحيانًا لا تبدأ الأزمة الإعلامية من المشكلة نفسها، بل من أول قرار يتخذ بعدها، قرار سريع، واجتهاد شخصي، وتوجيه يصدر تحت الضغط، ثم بعد ساعات يكتشف الجميع أن الأزمة التي كان يمكن احتواؤها تحولت إلى حريق إعلامي، وهنا فقط يرن هاتف مسؤول الاتصال المؤسسي، تعالوا أصلحوا الموضوع، وكأن فريق الاتصال فرقة إطفاء تستدعى بعد اشتعال المبنى، وليس جزءًا من منظومة كان يفترض أن تكون موجودة في غرفة القرار قبل أن تخرج أول كلمة إلى الجمهور.
والمفارقة أن كثيرًا من الجهات ليست بلا خطط، بل لديها خطط لإدارة الأزمات، وسيناريوهات، ومصفوفات صلاحيات، ومتحدثون رسميون، وإجراءات للرصد والتصعيد، وربما تدريبات ومحاكاة أيضًا، لكن ما إن تقع الأزمة الحقيقية حتى يوضع كل ذلك جانبًا، ويتولى المسؤول الأول أو أحد القيادات إدارة الموقف مباشرة، أحيانًا بحسن نية ورغبة في سرعة الحسم، لكن السرعة دون تخصص قد تكون أول أخطاء الأزمة، والأخطر عندما يصدر القرار أو البيان أو الرد قبل استشارة المختصين في الاتصال والقانون والمخاطر، ثم يُطلب منهم لاحقًا معالجة أثر قرار لم يكونوا جزءًا من صناعته.
وهذا ليس مجرد انطباع، فمسح PwC العالمي للأزمات والمرونة الذي شمل 1812 مسؤولًا وجد أن 91% من المؤسسات تعرضت لاضطراب كبير واحد على الأقل، وأن 76% قالت إن هذه الاضطرابات كان لها تأثير متوسط أو مرتفع على عملياتها، وفي الوقت نفسه أعرب 70% عن ثقتهم بقدرتهم على التعافي، رغم أن PwC وجدت فجوات واضحة في الأسس اللازمة للمرونة، وهذه المفارقة مهمة، فالشعور أننا مستعدون للأزمة شيء، والتصرف وفق ما أعددناه عندما تحدث الأزمة شيء آخر تمامًا.
والأزمة اليوم أكثر قسوة من أزمات الأمس، لأن المسؤول لم يعد يملك ترف الساعات الطويلة قبل أن يعرف الناس ما حدث، فكل شخص يحمل هاتفًا أصبح قادرًا على التصوير والتعليق والبث والنشر، وفي المملكة تشير بيانات هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية لعام 2025 إلى أن 61,3% من مستخدمي الإنترنت يقضون سبع ساعات أو أكثر يوميًا على الشبكة، ونسبة عدد المستخدمين لواتساب 92,7% بشكل فعال، وسناب شات 83,6%، وتيك توك 77%، ويوتيوب 75,8%، وهذه ليست مجرد أرقام استخدام، بل بيئة تجعل صورة واحدة، أو مقطعًا قصيرًا، أو ردًا مرتبكًا، قادرة على الانتقال إلى آلاف وربما ملايين الأشخاص قبل أن تنتهي الجهة من اجتماعها الأول.
كما تغير شكل تلقي الأخبار نفسها، فتقرير رويترز للأخبار الرقمية 2025 يوضح أن استهلاك فيديو الأخبار عبر الشبكات الاجتماعية ارتفع عالميًا من 52% في 2020 إلى 65% في 2025، وارتفع استهلاك أي فيديو إخباري من 67% إلى 75%، وهذا يعني أن الأزمة لم تعد تُروى فقط من خلال بيان رسمي، بل قد يصنع روايتها الأولى مقطع مدته ثلاثون ثانية، أو شاهد في الموقع، أو مؤثر يمتلك جمهورًا أكبر من حساب المؤسسة نفسها، ومن يترك فراغ المعلومات في الساعات الأولى عليه أن يتوقع أن يملأه الآخرون برواياتهم.
والخطر الأكبر ليس فقط في سرعة الانتشار، بل في أزمة الثقة التي يعيشها العالم، فمؤشر Edelman للثقة 2025 الذي شمل 33 ألف شخص في 28 دولة وجد أن قرابة ثلثي المشاركين يشعرون بالقلق من أن الصحفيين والمسؤولين الحكوميين والرؤساء التنفيذيين قد يتعمدون تضليلهم، كما أن 61% لديهم مستوى متوسط أو مرتفع من الشعور بالتذمر تجاه المؤسسات، فيما صنف المنتدى الاقتصادي العالمي المعلومات المضللة والمغلوطة ضمن أبرز المخاطر العالمية قصيرة المدى للعام الثاني على التوالي، وهذا يعني أن أي خطأ اتصالي اليوم يقع في بيئة جاهزة أصلًا للشك والتأويل والتضخيم.
أكبر خطأ يمكن أن ترتكبه مؤسسة هو أن تكتب خطة أزمة جميلة ثم تنساها عندما تبدأ الأزمة، وأن تستبعد مسؤول الاتصال في اللحظة التي تحتاجه فيها، ثم تستدعيه بعد ذلك ليطفئ الحريق، فالنجاح في الأزمات لا يقاس فقط بسرعة الرد، بل بصحة القرار قبل الرد، وأحيانًا يكون أفضل ما يفعله المسؤول الأول في أول دقائق الأزمة ألا يقول شيئًا، بل أن يجمع من يعرفون ماذا يجب أن يقال، ومتى، وكيف، ولمن.










































