اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٢ أيار ٢٠٢٦
د. فهد إبراهيم البكر
القرآن الكريم الذي هو كلام الله تعالى هو أشرف كتب الكون قاطبة، وأعلاها، وأسماها، وهو الكتاب الذي لا يدانيه كتاب، ولا يوازيه كتاب، ولا يجاريه كتاب؛ ذلك أنه كلام المولى -عزّ وجلّ- الذي أنزله على نبيه المصطفى محمد - صلى الله عليه وسلم - ليكون للعالمين نذيراً، كتاب أحكمت آياته، ثم فصّلت من لدن حكيم خبير، أحسن الكتب بناءً وانتظامًا، وأفضل الكتب بلاغةً وانسجاماً، مصدّق لما بين يديه، ومؤيد لما كان قبله من كتب الله - تبارك وتعالى - التي أنزلها على أنبيائه ورسله عليهم السلام، ومحقّق لما جاءت به رسل الله من الشرائع والديانات.
قال بعض المهتمين ببلاغة القرآن: «لقد علم الناس أجمعون، علماً لا يخالطه شك، أن هذا الكتاب العزيز، جاء على لسان رجل عربي أمي، ولد بمكة في القرن السادس الميلادي، اسمه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله ..»، وقد تميز القرآن الكريم بتنوعه القصصي حجماً وكيفاً، فجاء بعض القصص فيه طويلاً، متنوع الأحداث، والأزمان، والشخصيات، وجاء بعضه متوسطاً، كما جاء بعضه قصيراً موجزاً، واشتمل كل حجم على خصائص أدبية رائعة، ومواصفات فنية ماتعة، تسحر الألباب، وتجذب الأسماع والأنظار، وتؤثر في المتلقي، وتدهش المتأمل، فتحقق الغاية منها بأفصح مبنى، وأبلغ معنى؛ إذ من خلال هذا القصص تتضح أسس الدعوة إلى الله، وتتجلى أصول الشرائع.
ولعل في قصص الأنبياء أوضح مثال، كقصص نوح، وإبراهيم، وموسى، وهارون، وعيسى، وصالح، وهود، ولوط، ويعقوب، وداوود، وسليمان، ويوسف، ومحمد، وغيرهم من الأنبياء والمرسلين، عليهم جميعاً أفضل الصلاة والسلام. وتنوّع مضمون القصص القرآني بين حوادث غابرة كقصص السابقين قبل نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وحوادث وقعت في زمنه - صلى الله عليه وسلم - كما في غزوة بدر التي وردت في سورتي: آل عمران، والأنفال، وغزوة أحد التي وردت بشيء من التفصيل في سورة آل عمران، وغزوة حنين، وتبوك اللتين وردتا في سورة التوبة، وغزوة الأحزاب التي وردت في سورة الأحزاب، وصلح الحديبية، وفتح مكة اللذين ذكرا في سورة الفتح، إضافة إلى بعض القصص الأخرى المتنوعة في حجمها الخطابي: طولاً، وتوسطاً، وقصراً.
وقد أنبأ القصص القرآني القصير ببلاغته وإيجازه، وروعته وإعجازه، عن غايات كثيرة منها: تثبيت قلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقلوب أمته وصحابته، وتقوية ثقة المؤمنين بنصر الله، ودحر الباطل وزمرته، إضافة إلى تصديق الأنبياء السابقين، وإحياء ذكرهم، وتخليد آثارهم، والاتعاظ بقصصهم، وإظهار صدق نبينا الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم - في دعوته ونبوته، وما يخبر به عن أحوال الأمم عبر القرون الماضية، والأجيال السابقة، ومن ذلك أيضاً: مقارعة أهل الكتاب والكفار بالحجّة، والبيّنة، وتحدّي القرآن لهم بقصصه الذي هو عبرة لأولي الألباب.
إن القصة الموجزة في القرآن الكريم شكل من أشكال القصص القرآني الذي يتميز بمواصفات جمالية بديعة، حيث تتحقق فيها عناصر: المفاجأة، والإدهاش، والمفارقة، والإيحاء، والختم المفتوح «القفلة»، والملمح الحكائي، والتنوع الحدثي، وجماليات المكان، والزمان، وغيرها من مكونات القصة الومضة، إضافة إلى ما يتمتع به القصص القرآني الموجز من جماليات الوصف، والسرد، والحوار، ورشاقة المفردة، وجمال العبارة، وحلاوة اللفظ، ودقة المعنى، ويمكن ملاحظة ذلك في قصص قرآني موجز كثير، كقصة أصحاب الأخدود في سورة البروج، وقصة قوم نوح، وعاد، وثمود، وأصحاب الرس، وغيرها.










































