اخبار السعودية
موقع كل يوم -صحيفة الوئام الالكترونية
نشر بتاريخ: ٣١ تشرين الأول ٢٠٢٦
في عام 2018، كانت السجلات الرسمية لمنظمة الصحة العالمية تخلو من أي مدينة سعودية معتمدة ضمن شبكة المدن الصحية. واليوم، وتزامنًا مع اليوم العالمي للمدن في الحادي والثلاثين من أكتوبر 2026، تتصدر المملكة دول إقليم شرق المتوسط وشمال أفريقيا بإحدى وعشرين مدينة صحية معتمدة دوليًا؛ من بينها أكبر مدينتين صحيتين في الشرق الأوسط يتجاوز قاطنو كل منهما مليوني نسمة، وهما جدة والمدينة المنورة.
لم يكن الفارق بين الصفر والرقم الحالي مجرد انقضاء 8 سنوات، بل جاء ثمرة مسار تخطيطي متصاعد، ترجمته قرارات تنظيمية متتابعة نقلت التجربة الوطنية من حيز السعي إلى نيل الاعتراف، إلى موقع تصدير النموذج والمنهج المعتمد دوليًا.
الانطلاقة من الدرعية: استيفاء المعايير قبل اتساع المساحة
تحدد منظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط نقطة البداية لبرنامج الاعتماد في المملكة بعام 2018، حين «اعتُرف بالدرعية كأول مدينة صحية في المملكة»، قبل أن تلحق بها لاحقًا 16 مدينة في مراحل التقييم اللاحقة.
وكرس اختيار الدرعية في مستهل التجربة قاعدة جوهرية في فلسفة البرنامج، مفادها أن تصنيف «المدينة الصحية» لا يرتبط بالحجم الجغرافي أو الكثافة السكانية، بل بمدى الاستجابة الدقيقة لاشتراطات الجودة وتحسين البيئة المعيشية؛ فالدرعية لم تكن الكبرى مساحة، لكنها كانت الأسبق في استيفاء المتطلبات الصارمة.
فبراير 2022: التحول من اعتماد المدن إلى اعتماد المنهج
شهد 13 فبراير 2022 تحولًا نوعيًا في مسيرة البرنامج؛ إذ تلقى وزير الصحة فهد بن عبدالرحمن الجلاجل خطابًا رسميًا من المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس غيبريسوس أدهانوم، أعلن فيه اعتماد برنامج المدن الصحية السعودي نفسه بوصفه «مركزًا متعاونًا مع منظمة الصحة العالمية»، ليكون الأول من نوعه على مستوى الإقليم والرابع عالميًا.
وشكل هذا القرار نقطة ارتكاز حاسمة نقلت المملكة من مجرد دولة ترشح مدنها للاعتراف الخارجي، إلى مرجعية تسهم في تطوير وتصدير أدلة العمل؛ حيث بررت المنظمة الدولية قرارها بأن البرنامج السعودي يمثل «نموذجًا متكاملًا وقادرًا على الإسهام في تعزيز صحة المجتمعات، وخفض العبء الاقتصادي للرعاية الصحية، وتحقيق أهداف التنمية المستدامة».
وبلغت الحصيلة المعتمدة حينها 9 مدن شملت: الدرعية، والمدينة المنورة، والطائف، وعنيزة، وجلاجل، والمندق، والجموم، ورياض الخبراء، وشرورة؛ إلى جانب اعتماد جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن بصفتها أول بيئة جامعية معززة للصحة في الإقليم.
المدينتان المليونيتان: كسر حاجز الكثافة في جدة والمدينة المنورة
تؤكد منظمة الصحة العالمية أن التجربة السعودية حققت سابقة إقليمية بضمها أول مدينتين صحيتين مليونيتين في الشرق الأوسط يستفيد منهما ملايين السكان.
ويحمل هذا الاعتماد دلالة منهجية بالغة الأهمية؛ إذ أثبت أن تطبيق المعايير الثمانين لا يقتصر على النطاقات البلدية المحدودة أو المجتمعات المحلية الصغيرة، بل يمتلك المرونة والفاعلية للتنفيذ داخل مراكز حضرية كبرى تتسم بتعقيد شبكات النقل والخدمات وتنوع الكثافات السكانية.
2024: تسارع وتيرة التوسع الميداني
شهد عام 2024 توسعًا مطردًا في رقعة التغطية الميدانية وفق ما وثقته البيانات الرسمية؛ ففي أبريل أعلن وزير الصحة اعتماد تبوك مدينة صحية، ليرتفع الرصيد إلى 15 مدينة معتمدة جعلت المملكة في صدارة الإقليم، بعد استيفاء «80 معيارًا من معايير منظمة الصحة العالمية» وتجاوز مراحل التقييم والتدقيق.
وفي يوليو من العام نفسه، ارتفع العدد إلى 16 مدينة عقب انضمام مدينة الخبر، بعد تميزها في تهيئة الحدائق العامة ومسارات المشاة المفتوحة وتعزيز التوعية الصحية عبر شبكات المدارس ومراكز الرعاية الصحية الأولية.
ومع أواخر 2024، نالت جدة اعتمادها الرسمي إثر اتفاقية أبرمت في فبراير 2022؛ حيث جرى تطبيق المعايير كمرحلة أولى في أربعة أحياء شملت: النهضة، والحمراء، والشاطئ، وإسكان جامعة الملك عبدالعزيز، محققة نسبة إنجاز بلغت 98% تحت إشراف 8 لجان رئيسية ولجان فرعية مشتركة تجمع القطاعات الحكومية والخاصة وغير الربحية.
ويخضع هذا الاعتماد لمراجعة سنوية منتظمة تضمن استدامته، مع توسع نطاق التطبيق بقرار من محافظ جدة ليشمل 9 أحياء إضافية تمهيدًا لإخضاعها للتقييم الدولي.
2025 و2026: مظلة مجلس الوزراء ومحطة الـ21 مدينة
حظي مسار البرنامج بدعم استراتيجي مباشر من مجلس الوزراء؛ ففي 5 أغسطس 2025 أشاد المجلس بمنجزات المنظومة، وهو ما ثمنه وزير الصحة بالتأكيد على أن «مدن المملكة باتت نموذجًا تنافسيًا عالميًا في تطبيق معايير المدن الصحية»، مرجعًا هذا النجاح إلى تفعيل نهج «الصحة في جميع السياسات» من خلال اللجنة الوزارية المختصة، التي حولت المعايير الوقائية إلى التزام مشترك يوجه خطط التخطيط العمراني، والتعليم، وحماية البيئة، والخدمات البلدية.
وفي 30 أغسطس 2026، قفزت الحصيلة الإجمالية إلى 21 مدينة صحية إثر اعتماد أبها، ومحايل عسير، وطريب، ومدينة الملك خالد الجامعية.
واستند ترسيخ الصدارة الإقليمية إلى استيفاء «80 معيارًا دوليًا ضمن 9 محاور»، مدفوعًا بشراكة تنسيقية واسعة تضع الصحة العامة في صلب صناعة القرار التنموي، وصولًا إلى ترسيخ هذا المنجز الدولي في 31 أكتوبر الجاري بالتزامن مع اليوم العالمي للمدن.
المحاور التسعة: المعايير الحاكمة لمفهوم المدينة الصحية
تستند آلية التقييم والاعتماد الدولي إلى 80 معيارًا موزعة على 9 محاور رئيسية تشمل: تمكين المجتمع من أجل الصحة والتنمية، والشراكة والتعاون بين القطاعات، ومراكز المعلومات المجتمعية، وبناء القدرات وتنمية المهارات، والخدمات الصحية، والبيئة الحضرية، والجاهزية والاستجابة للطوارئ، والتعليم، ودعم المشروعات الصغيرة.
وتجسد هذه المنظومة رؤية متقدمة لا تحصر المؤشرات الصحية في وفرة الأسرّة والمنشآت الطبية، بل تربطها مباشرة بمعدلات نقاء الهواء ومصادر المياه، ومأمونية الغذاء، وانتشار الفضاءات الرياضية، وجاهزية إدارة الأزمات، والمشاركة الأهلية في إدارة الشأن المحلي، محولة مفهوم الصحة من خدمة علاجية إلى نمط معيشي شامل ومستدام.
وتكشف قراءة القائمة المعتمدة عن تنوع البيئات الحضرية التي شملها القياس؛ إذ ضمت بيئات أكاديمية متكاملة كجامعتي الأميرة نورة والملك خالد، بما يبرهن على قابلية المنهج للتطبيق في المنظومات المغلقة كما في المدن السكنية، في حين يظل التوسع المستمر رهنًا بعمليات التقييم الميداني السنوية التي تشترط ديمومة المعايير وتطورها على أرض الواقع.










































