اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٦ حزيران ٢٠٢٦
د. عبدالعزيز اليوسف
إن التوصيف العلمي الأدق للذكاء الاصطناعي في البيئة الإعلامية هو أنه أداة مساندة لا بديلٌ عن الصحفي.. فهو قادر على تسريع بعض المهام مثل تفريغ المقابلات الصوتية وتنظيم البيانات والبحث الأولي عن المعلومات؛ لكنه لا يستطيع أن يحل محل العقل المهني الذي يفسر الوقائع، ويصنع الأسئلة، ويحدد الأولويات، ويقدم المعالجات المتوازنة..
تواجه الصحافة وصناعة المحتوى اليوم واحدة من أكبر المراجعات الفكرية والمهنية في تاريخها الحديث بالتزامن مع الطفرة الهائلة في تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، ورغم القدرة الكبيرة لهذه الأدوات على معالجة البيانات وصياغة النصوص بسرعة تفوق القدرات البشرية فإن هناك خلطا شائعا بين إنتاج الكلام وصناعة الصحافة. إن تصور إمكانية حلول الآلة أو مستخدمها محل الصحفي المحترف يعبر عن فهم قاصر لجوهر العمل الإعلامي الذي لا يتوقف عند حدود رص الكلمات بل يمتد إلى عمق الممارسة المهنية القائمة على المسؤولية والأخلاق والتحليل.
تعتمد الصحافة الحقيقية مهنيا وعمليا على ركائز تتجاوز قدرة الخوارزميات الحسابية، وأبرز هذه الركائز ما يعرف بالحس الصحفي أو الأنف الإخبارية، هذا الحس ليس معادلة يمكن تلقيمها للآلة بل هو نتاج تراكم معرفي وخبرة ميدانية وتفاعل مباشر مع الواقع اليومي والشخصيات والمصادر. فالصحفي لا يكتفي بالبحث عما هو منشور ومتاح من معلومات بل يقرأ ما بين السطور ويستشعر أهمية الحدث وقيمته المجتمعية ويزن عناصره الخبرية وفق سياق متغير ومتشابك لا تستطيع النماذج اللغوية استيعابه بالصورة التي يدركها الإنسان الممارس للمهنة.
وتبقى عملية التحقق من المعلومات وفرز الصحيح من الخاطئ من أكبر التحديات التي لا يمكن للذكاء الاصطناعي تجاوزها بصورة مستقلة. فالآلة تعتمد على ما هو متاح من بيانات وتعيد إنتاجه وفق احتمالات لغوية، ما يجعلها عرضة لتكرار الأخطاء والشائعات أو حتى توليد معلومات غير دقيقة تبدو مقنعة في ظاهرها. أما الصحفي فإنه يتحمل مسؤولية التحقق من المصادر ومقارنة الروايات وتقصي الحقائق من منبعها وتحمل التبعات المهنية والأخلاقية والقانونية لكل ما ينشره. وهذا البعد لا يمكن اختزاله في أداة تقنية لأنها لا تمتلك وعيا بالنتائج ولا إدراكا لأثر الكلمة في الأفراد والمجتمعات.
كما أن الفنون الصحفية من تحقيقات وتقارير وحوارات تمثل صناعة إنسانية معقدة تقوم على التفاعل المباشر مع الناس. فالصحفي خلال المقابلات لا يستمع إلى الإجابات فقط بل يراقب التردد والانفعال ونبرة الصوت والإشارات غير المنطوقة ويبني أسئلته التالية على ما يلتقطه من هذه التفاصيل الدقيقة. ومن خلال هذا التفاعل تتشكل قيمة المحتوى الصحفي وفرادته ومهنيته، وهي عناصر يصعب استنساخها عبر أوامر نصية أو عمليات آلية مهما بلغت درجة تطورها.
وعلى مستوى الكتابة والسرد فإن المعايير المهنية لا تتعلق بسلامة اللغة وحدها بل بقدرة الكاتب على بناء المعنى وصياغة الزوايا وتقديم المعالجة الملائمة لكل قضية. ورغم قدرة الذكاء الاصطناعي على تقليد الأساليب المختلفة فإنه يظل محكوما بالأنماط المتكررة والصيغ الجاهزة. أما المحتوى الصحفي الحقيقي فيعكس شخصية كاتبه وخبرته وثقافته ورؤيته المهنية، ويعبر في الوقت نفسه عن هوية المؤسسة الإعلامية التي ينتمي إليها مما يمنح المشهد الإعلامي تنوعه وثراءه.
ويضاف إلى ذلك أن جوهر العمل الصحفي لا يقوم على جمع المعلومات وصياغة الجمل فقط بل يرتكز على الوعي والتمييز والانتباه والمشاعر الإنسانية التي ترافق عملية الرصد والتفسير والنشر، فالصحفي لا يتعامل مع الوقائع بوصفها بيانات مجردة وإنما يقرأ أبعادها الإنسانية والاجتماعية ويقدر آثارها المحتملة على الناس والمجتمع. كما أن قدرته على الملاحظة واستشعار ما يستحق المتابعة وما يمكن تجاوزه تمثل قيمة مهنية لا يمكن تحويلها إلى معادلات أو أوامر رقمية. فالوعي المهني هو الذي يحدد أهمية الحدث، والتمييز هو الذي يفرز بين المعلومة الجوهرية والهامشية، والانتباه هو الذي يلتقط التفاصيل التي قد تصنع قصة كاملة، أما المشاعر الإنسانية فهي التي تمنح المحتوى قدرته على فهم الإنسان والتعبير عنه. وهذه كلها عناصر تفتقدها الأدوات الآلية مهما بلغت دقتها التقنية.
لذلك فإن التوصيف العلمي الأدق للذكاء الاصطناعي في البيئة الإعلامية هو أنه أداة مساندة لا بديل عن الصحفي.. فهو قادر على تسريع بعض المهام مثل تفريغ المقابلات الصوتية وتنظيم البيانات والبحث الأولي عن المعلومات؛ لكنه لا يستطيع أن يحل محل العقل المهني الذي يفسر الوقائع، ويصنع الأسئلة، ويحدد الأولويات، ويقدم المعالجات المتوازنة.. وسيظل دوره في جانب كبير منه عاملا شكليا وإجرائيا يختصر الوقت والجهد بينما تبقى القيمة الحقيقية للمحتوى مرتبطة بالإنسان الذي ينتجه.
وفي النهاية يبقى المحتوى الصحفي الحقيقي رهينا بعقل الإنسان وخبرته ومسؤوليته المهنية. فالصحافة ليست مجرد نصوص يتم إنتاجها لملء المساحات، ولا منتجا تقنيا يمكن أتمتته بالكامل؛ بل هي رسالة تقوم على الوعي والتقدير والحكم المهني والأخلاقي.
ويبقى القول: طالما أن الأحداث تقع في عالم يعيشه البشر ويتأثرون به فإن فهم هذه الأحداث ونقلها بصدق سيظل بحاجة إلى الصحفي الممارس الذي يمتلك الحس والخبرة والقدرة على التمييز بين الحقيقة والضجيج، وبين المعلومة والخبر، وبين ما يجب أن يعرفه الناس وما يمكن تجاهله.










































