اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ٢٦ كانون الثاني ٢٠٢٦
رغم قسوة الحرب وضبابية الأفق، ورغم انغماسهم الكلي في توفير المساعدات الإنسانية للمدنيين، إنقاذاً للأرواح وتخفيفاً لوطأة الجوع والمرض، لم تتوقف مجموعاتُ غرف الطوارئ ولجانُ المقاومة عن طرح سؤال المستقبل وسودان ما بعد الحرب. وظلّوا يتساءلون عن الماضي ويفتشون في جذور الأمل عن كيف تُستعاد ثورة ديسمبر/كانون الأول لتُكمَل مسيرتها نحو الانتصار؟
فنظموا داخل السودان حواريةً في ذكرى الاستقلال تحت سؤال مؤرق: «لماذا تفشل ثورات السودان؟» وشاركوني شرف المساهمة في إجابته، وأنشر في مقال اليوم نص إجابتي.
إن فشل الانتفاضات والثورات السودانية، أكتوبر/تشرين الأول 1964، إبريل/نيسان 1985، ديسمبر/كانون الأول 2018، في تحقيق غاياتها، هو نتيجة تراكمية لعدد من الأسباب:
أولاً، أسباب هيكلية عميقة بمثابة الأرضية الخصبة للفشل، منها:*متانة بنى الدولة العميقة صعبة التحول. فكل الثورات السودانية واجهت «الدولة الموازية» أي شبكة المصالح في المؤسسات الأمنية والعسكرية والاقتصادية والإدارية التي نشأت وترسخت خلال فترات الحكم الاستبدادي (عبود، النميري، البشير). وتمتلك هذه الشبكة قوة مؤسسية تتحكم في مفاصل الدولة من جيش ومخابرات واقتصاد مواز، وتستخدمها في استنفار الولاءات القبلية والعسكرية. ولأن أي تحول ديمقراطي حقيقي يعني تفكيك نفوذها ومحاسبتها، فتتحول هذه القوى المؤسسية إلى «ثورة مضادة» نشطة تنتظر الفرصة للانقضاض، كما حدث بانقلاب 25 اكتوبر/تشرين الأول 2021. والشبكة تمتلك القدرة على اختراق صف الثورة نفسه، وإثارة النزاعات والاضطرابات داخله. *الثورات السودانية «ثورات مركز» عاصمة ومدن كبرى، تركز على الحريات السياسية، لكنها لم تقدم مشروعاً وطنياً جامعاً يحسم القضايا الجوهرية المتسببة في الحروب الأهلية، قضايا شكل الحكم وعدالة المشاركة في السلطة وتوزيع الموارد، مواجهة المركزية الشديدة ضد مطالب الأطراف والمناطق المهمشة، مسألة الهوية وعلاقة الدين والدولة،…الخ، فتترك جيوباً من السخط والاستياء يمكن استغلالها لإسقاط الديمقراطية الناشئة. * تعامل أطراف إقليمية ودولية مع السودان كساحة لصراعات النفوذ، ودعمها الأنظمة الاستبدادية لتحقيق استقرار مصطنع يخدم مصالحها الأمنية أو الاقتصادية، وخوفها من نجاح «النموذج الديمقراطي» في السودان، والذي قد يهدد الأنظمة الشمولية المجاورة، وسعيها لاستغلال الثورات لحساب أجندات خارجية، أو التخلي عن دعمها في اللحظات الحاسمة، كما حدث مع ثورة ديسمبر.
ثانياً، أسباب ذاتية ناتجة من أخطاء قوى الثورة نفسها: 1 ـ الافتقار إلى مشروع وطني متفق عليه. فالهتاف يمكن أن يكون موحداً، حرية سلام وعدالة، لكن التحول إلى برنامج عمل تفصيلي يظل غائباً. وبمجرد إسقاط النظام، تظهر الخلافات الحادة حول الأولويات وطبيعة الفترة الانتقالية، ويتحول تحالف الثورة إلى ساحة صراع على السلطة والنفوذ بدلاً من أن يكون ورشة لبناء الوطن. 2 ـ ضعف البنية المؤسسية والقيادية للثورات، فهي دائما ما تعتمد على الحراك الشعبي العفوي، وعلى قيادات لحظية لا تستطيع منع سرق الثورات بواسطة النخب التقليدية التي كانت جزءاً من المشكلة التاريخية، وليس لديها رؤية جديدة أو جرأة كافية للقطع مع الماضي. 3 ـ غياب الحنكة السياسية لإدارة المرحلة الانتقالية، وهي ضرورية لوزن معادلة تعارض المطالب الشعبية العاجلة مع الإصلاحات الهيكلية طويلة المدى، ومعادلة العلاقة مع المؤسسة العسكرية، حيث الوقوع في خطأ الشراكة غير المتكافئة يمنحها دوراً كبيراً في السياسة، ومحاولة إقصائها بقوة دون امتلاك الأدوات الكافية، يدفعها للانقلاب.
ثالثاً، يقول التاريخ إن الثورات نادراً ما تنتصر من المحاولة الأولى، بل تمر عبر مسارات متعرجة من النجاحات والانتكاسات قبل أن تبلغ غاياتها. فالثورة الفرنسية (1789-1799) بدأت بإسقاط الملكية المطلقة ثم مرت بفترات من الإرهاب والاضطراب، وشهدت عودة الملكية لفترة قصيرة قبل استقرار النظام الجمهوري، واستغرقت عقوداً حتى ترسخت مبادئ الحرية والإخاء والمساواة. والثورة الإنكليزية (1642-1688) بدأت بالحرب الأهلية وإعدام الملك تشارلز الأول، ثم عادت الملكية عام 1660 قبل الثورة المجيدة عام 1688، وكانت عملية تراكمية أنتجت نظاماً ملكياً دستورياً. والثورة الألمانية (1848-1849) انتشرت عبر الولايات الألمانية لكنها قمعت عسكرياً، وفشلت في تحقيق الوحدة الألمانية في حينها، لكنها زرعت بذورها حتى تحققت لاحقاً عام 1871 بقيادة بسمارك. وثورات السودان، منذ 1924، ليست استثناءً من هذه القاعدة التاريخية فكلها حققت إنجازات ثم واجهت انتكاسات، لكنها راكمت خبراتها لتشكل مساراً تحررياً متصاعداً، رغم فشل فترات الانتقال والانقلابات المضادة.
والشباب هم قلب الثورة ووقودها، ولأجلها يسترخصون حياتهم، حتى يتحقق حلمهم الأكبر الذي يحملون به بأكبر قدر من النقاء والطموح في دولة حديثة عادلة. لذلك، عند انتكاسة الثورات، هم من يدفع الثمن الأكبر، وهم يشعرون أنهم يخوضون معركتهم الوجودية ضد نظام متعفن قطع عليهم المستقبل الذي يُسرق مرتين: مرة بالاستبداد، ومرة بالفشل في صناعة البديل. وتتملكهم الخيبة عندما يشاهدون ثورتهم تتحول إلى صراعات بين نخب قديمة تتحدث بلغة الماضي، وتفاهمات سياسية ومساومات على المناصب بينما البلد آخذة في الانهيار، ثم ينتهي المشهد بحرب مدمرة (2023) أسوأ مما ثاروا ضده. وهنا تتحول الخيبة إلى جرح نفسي عميق، وإحساس بالخذلان المزدوج، خذلان من النظام القديم، وخذلان من النخب السياسية التي افترضوها قائدة للتغيير. ومع ذلك، يبقى الأمل الوحيد في تعلّم هذه الدروس بطعم المرارة، وبناء حركة سياسية جديدة من تحت الركام، أكثر نضجاً، أكثر تنظيماً، وأكثر إصراراً على السير بالثورة حتى تُحل القضايا الجوهرية والهيكلية من جذورها.
وفي النهاية، ومهما طال الزمن، وكما انتصرت ثورات الأمم من قبل بعد مسارات طويلة، فإن انتصار الثورة السودانية ليس مجرد احتمال، بل هو حتمية تاريخية. هذا هو المجرى الموضوعي لمسار التاريخ، والذي لا يمكن عكسه. والثورات هي عمليات تحول مجتمعي عميق تحتاج وقتا،ً وكل ثورة تبنى على تجارب سابقاتها، وكل انتكاسة تخلق ظروفاً أكثر نضجاً وفعالية للنضال، إضافة إلى الوعي المتصاعد، خاصة لدى الشباب جنود الثوره، الذين يشكلون أغلبية السكان.
كاتب سوداني












































