اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٨ أيلول ٢٠٢٦
د. عصام أمان الله بخاري
في القرآن الكريم تذكر سورة القلم قصة أصحاب الجنة، وهم أصحاب بستان منحهم الله عز وجل فيه من الخير والثمار والرزق الوفير ما يجعل حياتهم وحياة غيرهم في راحة وسعادة. وكان والدهم رجلاً صالحاً يراعي حق الله وحق المساكين فكان يأخذ حاجته وحاجة أهله ويتصدق بالكثير من ثمار البستان. لكن الأبناء بعد وفاته غيروا منهجه فاتفقوا أن يخرجوا مبكرين ليمنعوا المساكين من ثمار البستان. ليتفاجأ الجميع أن الله عز وجل أهلك زرعهم وثمارهم وندموا وتابوا بعد أن نزل بهم العقاب.
في الواقع، هنالك عدد من الدروس القيادية المستلهمة من قصة أصحاب الجنة، ومنها:
أهمية صناعة قادة المستقبل: كان الوالد صالحاً تقياً فبارك الله له، ولكن لم يكن هذا حال أبنائه، لذلك خطة التعاقب الوظيفي استثمار لا يقل أهمية عن اي استثمار في الأصول والمشاريع، والفشل فيها يعني فشل المنظومة. وفي عالم القيادة لا يكفي نجاح الإدارة الحالية بل من المهم العمل على تجهيز الصف الثاني والثالث لضمان الاستقرار والاستدامة.
سر القوة في العطاء: عندما تنصر المظلوم وتدافع عن حقوق الضعفاء ينصرك الله.. والعكس صحيح؛ فالمدير الذي يجامل القيادة العليا على حساب حقوق مرؤوسيه سيأتي اليوم الذي تتم فيه التضحية به. ونفس الأمر عندما تشارك خبراتك وعلمك مع الآخرين يبارك لك الله فيها؛ والعكس صحيح. فأكبر خطأ أن يعتقد الإنسان أن حجبه للمعلومات ومنع نقل الخبرات كفيل بالإبقاء عليه بسبب رفع تكلفة الاستغناء عنه، بالعكس هذه السلوكيات قد تكون أكبر مسبب للفصل أو العزل من المنصب.
ليس رأي الأغلبية دائما صوابا: رأي الاخ الأوسط كان صحيحاً عندما حذر إخوته من قرارهم حرمان المساكين، ولكن غلبه رأي إخوته الأربعة الخاطىء.. كقائد من المهم أن تستمع لكل الآراء؛ ولكن تذكر أن رأياً واحداً مختلفاً بصوت هادئ قد يكون صواباً أمام رأي له أصوات عالية وكثيرة.
النية السيئة قنبلة موقوتة: لم يقم الأبناء بحرمان المساكين من الثمار، لكنهم عزموا على تلك النية السيئة التي كانت سبباً كافياً ليحل عليهم غضب الله وعقابه. وفي بيئات العمل والمشاريع قد تجد أقوى التنفيذيين والخبراء، وأعظم الموارد والممكنات وأدهى الخطط الاستراتيجية ولكنها مع ذلك تفشل. قد تتعدد الأسباب ولكن لا يمكن إهمال النية والغاية. وبالمقابل فقد تجد شخصاً بسيطاً في الإمكانات الموفرة له ولكن إنجازاته عظيمة ببركة نيته الصادقة والصافية.
ثقافة العمل درع أمان: كان الإخوة يتخافتون ويتكلمون بصوت منخفض لكيلا يسمعهم المساكين ويعرفوا خطتهم.. وفي بيئات العمل ما يحسم المعادلة ليس اللوحات الكبيرة المعلقة في الجدران والكلمات الحماسية في الفعاليات بل الأهم هو الأخلاق والمبادئ والمحادثات والقرارات التي يتم اتخاذها في الغرف المغلقة. لذا من المهم للقيادة الناجحة أن ترسخ هذه القيم والأخلاقيات الفاضلة في تعاملاتها وفي ثقافة العمل.
تحويل الخسائر إلى مكاسب: خسر الأبناء الخمسة تلك الجنة وخيراتها، ولكن تلك الخسارة الأليمة بمعايير الدنيا كانت سبباً في عودتهم إلى الله وإنابتهم إليه.. وهكذا في بعض المواقف قد يفشل الإنسان ويخسر معارك، لكن لا يعتبر مهزوماً طالما لم يتوقف ولم ييأس وتعلم من كل تجربة فاشلة.
ختاماً، قصة أصحاب الجنة ليست قصة بستان احترق، بل قصة قيادة احترقت مبادئها وقيمها قبل البستان. ليس القائد الفذ من يعرف كيف يقطف الثمار فقط، بل من يعرف كيف يؤدي حق الله وحق الناس في هذا الخير والإنجاز وكيف يستطيع المحافظة على هذا النجاح ويزيده نمواً واستدامة عبر الزمن..










































