اخبار السعودية
موقع كل يوم -صحيفة البلاد
نشر بتاريخ: ٩ أيلول ٢٠٢٦
استكمالًا لما كتبته في هذه الزاوية خلال الأسابيع الماضية، حول تجربتي مع مؤسسة اليمامة الصحفية، ممثلة في صحيفة 'الرياض'، فمن بين المواقف التي بقيت راسخة في ذاكرتي خلال تجربتي في موسكو، زيارة الأستاذ تركي السديري- رحمه الله- لي هناك، برفقة الزميل طلعت وفا، مستشار رئيس التحرير آنذاك- رحمه الله. وبعد عودته إلى الرياض، ورغم أننا لم نتطرق مطلقًا إلى أي أمور مالية، فوجئت في صباح أحد الأيام باتصال منه عبر هاتفه الشخصي، يبلغني فيه برفع مقدار مكافأتي وتثبيتها. وكانت تزيد على ضعف ما يمكن أن تمنحه أي صحيفة لمراسلها في موسكو في تلك الفترة. ولعله- رحمه الله- لمس خلال زيارته ارتفاع تكاليف المعيشة في موسكو، فبادر إلى زيادة مكافأتي دون أن أطلبها، في موقف يعكس حرصه على تقدير جهود العاملين معه ومراعاة ظروف عملهم. وبالنسبة لي، كان الانتماء إلى'الرياض' وتمثيلها، والثقة التي منحتني إياها، قيمة مهنية تتجاوز المقابل المادي؛ فالمال عنصر عابر، بينما تبقى الثقة والتقدير من مقومات التجربة المهنية وسجلها. ومن أبرز محطات مسيرتي مع 'الرياض' ما حظيت به من دعم وتقدير لعملي الصحفي خارج المملكة، تُوّج بتكريمي مراسلًا صحفيًا متميزًا خارجيًا، وتشرفت بتلقي التكريم من يد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز-حفظه الله- حين كان أميرًا لمنطقة الرياض. وقد ظل هذا التكريم من أبرز محطات مسيرتي المهنية، ومن المواقف التي أعتز بها في حياتي على نحو عام.
وعندما أستعيد اليوم تلك التفاصيل، أجد أن مسيرتي مع 'الرياض' لم تكن مجرد سنوات قضيتها في وظيفة صحفية، بل كانت رحلة حياة متكاملة؛ امتدت نحو عقدين، تنقلت خلالها بين الميدان والتحرير، وبين الوطن وموسكو، وبين الخبر والإنسان، وعشت فيها تجارب لا تزال حاضرة في الذاكرة.
وقد يكون من الصعب اختزال كل تلك السنوات في مقالات محدودة، لكن ما أستطيع قوله: إن'الرياض' كانت من أهم التجارب التي شكّلت مسيرتي المهنية والإنسانية، بما حملته من عمل وتحديات ونجاحات، وما شهدته من مواقف وزمالات وعلاقات أعتز بها.
وفي هذه الرحلة الطويلة، كانت لي مع كثير من الزملاء في 'الرياض' علاقات ومواقف وتجارب ونجاحات، بعضها في الميدان وبعضها خلف الكواليس، وكل منها ترك في الذاكرة أثرًا. ولكل زميل حكاية، ولكل مرحلة وجوه وأسماء وذكريات، لكن المقال لا يتسع لذكر الجميع ولا لاستعادة كل التفاصيل. وما لم أقله لا يعني أنه غاب عن الذاكرة؛ فهناك أسماء ومواقف كثيرة أحتفظ لها بالتقدير والامتنان، وستظل حاضرة في وجدان من عاش تلك السنوات، وإن لم تُكتب أسماؤها على الورق. ولعل من الوفاء لمن شاركوني تلك الرحلة أن تبقى لهم في الذاكرة مكانتهم، حتى وإن لم يتسع المقام لذكرهم جميعًا.
ومن أهم ما خرجت به من هذه الرحلة أن'الرياض' لم تكن بالنسبة لي مجرد صحيفة عملت فيها أو مؤسسة مثّلتها، بل كانت مدرسة مهنية وإنسانية تعلمت في رحابها الكثير؛ تعلمت منها أن الصحافة مسؤولية قبل أن تكون مهنة، وأن قيمة الصحفي لا تُقاس بما يكتب فقط، وإنما بما يتركه من أثر في مؤسسته وزملائه وقرائه. وقد كان من حسن حظي أن أعيش هذه التجربة في مراحل مختلفة، وأن ألتقي خلالها بأشخاص تركوا في مسيرتي أثرًا لا يزال ممتدًا حتى اليوم.
واليوم، حين يُطوى آخر عدد ورقي من'الرياض'، لا أشعر أن صفحة من ذاكرتي قد طُويت؛ فالصحيفة التي عشت بين صفحاتها، وكتبت فيها، ومثلتها خارج المملكة، أصبحت جزءًا من تاريخي الشخصي والمهني. وأرى أن انتقالها من الورق إلى الإلكتروني تطور طبيعي تفرضه التقنية ومتطلبات العصر، فالوسيلة قد تتغير، لكن رسالة الصحافة ومهنيتها وأثرها تبقى.
نعم، قد يُطوى الورق، وتغيب الصحيفة عن أيدي القراء، لكن ما قدمته'الرياض' خلال مسيرتها الصحفية سيبقى حاضرًا في ذاكرة قرائها وصحفييها؛ بما راكمته من تجارب مهنية، وأجيال من العاملين، ومحطات صحفية أسهمت في مسيرة الإعلام السعودي. وربما يكون الأهم في هذا الوداع أننا لا نطوي صفحات صحيفة فحسب، بل نختتم مرحلة من تاريخ الصحافة الورقية امتدت لعقود، وشكّلت جزءًا مهمًا من المشهد الإعلامي العربي بشكل عام.










































