اخبار الاردن
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٦ تشرين الثاني ٢٠٢٦
حين يعلّمنا ديننا ألّا نسرف في الماء، حتى لو كان متاحًا، فهو يعلّمنا قبل ذلك أن نصون الحياة، وأن نحفظ للإنسان كرامته وحقه في الأمن. فكيف يُقبل أن يُراق الدم باسم الدين، أو أن يُبرَّر العنف بشعارٍ لا يعرف الرحمة؟
التطرف لا يبدأ دائمًا بسلاح. قد يبدأ بفكرةٍ تُغلق باب الحوار، وبغضبٍ يتحول إلى كراهية، وبخطابٍ يقسّم الناس إلى مؤمنين وخونة، ثم يهوّن الاعتداء على الآخرين. وما إن يصبح الدم تفصيلًا في خطابٍ ما، حتى نكون قد ابتعدنا عن جوهر الدين، مهما ارتفعت الشعارات.
البيت أولًا. فعند ظهور علامات التطرف، يكون أهل البيت غالبًا أول من يلاحظ التغيّر: عزلةٌ مفاجئة، قطيعةٌ مع الأسرة، لغةٌ جديدة تُحرّض على الناس، أو تبريرٌ للعنف والاستهانة بحياة الأبرياء. قد لا يعرف الأهل كيف يفسّرون ما يرونه، وقد يخشون أن يفتحوا الموضوع؛ لكن الصمت يترك الشاب وحده أمام أفكارٍ قد تدفعه إلى طريقٍ خطير.
مسؤولية البيت ليست في الاتهام أو الإهانة أو القطيعة، بل في الإصغاء والحوار وطلب المساعدة من أهل الاختصاص عند الحاجة. فالشاب يحتاج إلى من يسمعه قبل أن يستمع إلى من يستغله، وإلى من يفتح أمامه طريقًا للعودة قبل أن يُدفع إلى طريقٍ لا رجعة فيه.
والوقاية لا تكتمل عند ملاحظة الخطر أو اتخاذ إجراء أولي؛ بل تحتاج إلى متابعةٍ وتقييمٍ مستمرين، والتأكد من أن أسباب الخطر قد عولجت فعلًا. وتُظهر بعض القضايا التي كشفت عنها السجلات القضائية أهمية أخذ التاريخ القضائي والسلوكي السابق والحالي بجدية؛ فالإدانة السابقة في قضية إرهابية أو التواصل مع أصحاب فكر متطرف مؤشرات تستدعي تقييمًا مهنيًا ومتابعةً مستمرة، إلى أن تتضح الصورة ويُتحقق من احتواء أي خطر محتمل، مع الالتزام بالقانون وضماناته. فسلامة الناس مسؤولية متصلة، تتطلب مراجعة ما جرى واستكمال ما يلزم.
لكن البيت لا يستطيع أن يحمل هذه المسؤولية وحده. فالمدرسة، والمؤسسات الدينية، والإعلام، والمؤسسات الرسمية، كلها معنية بتقديم خطابٍ متزن، وبناء الثقة، ومواجهة التحريض بالحجة والوعي. والوقاية تبدأ حين يجد الشاب من يناقشه ويحترم سؤاله، لا حين يُترك للغضب والعزلة ومصادر التضليل.
دينٌ ينهى عن الإسراف في الماء لا يمكن أن يبيح الإسراف في الدم. ومن يزعم أن العنف طريقٌ إلى نصرة الدين، فليسأل نفسه: أيُّ نصرةٍ هذه التي تُخيف الناس، وتفجع الأسر، وتحوّل الحياة التي أمرنا الله بحفظها إلى ثمنٍ رخيص؟
لننتبه مبكرًا، ولنجعل البيت أول مكانٍ للحوار والاحتواء، لا آخر مكانٍ يكتشف ما حدث. فحماية الأبناء من التطرف تبدأ بالقرب منهم، وحماية الوطن تبدأ بحماية الإنسان.












































