اخبار السعودية
موقع كل يوم -صحيفة البلاد
نشر بتاريخ: ١١ أيار ٢٠٢٦
البلاد (جدة)
صدر عن دار متون المثقف في القاهرة كتابٌ جديد للكاتب السعودي طراد الأسمري، يحمل عنواناً صادماً في بساطته: 'الأرض بلا بشر — حكايات الأشياء بعدنا'. جاء الكتاب في مئة وتسعين صفحة موزعة على عشرين فصلاً، كل فصل منها كيانٌ قائم بذاته، لكنها مجتمعةً تُشكِّل سؤالاً واحداً لا يكفّ عن الطرق: ماذا يعني أن يكون الإنسان هنا؟
يضع المقدِّم خالد الفاضلي يده على جوهر الكتاب منذ السطور الأولى حين يصفه بأنه «مستفزٌّ، قصير، رشيق، وكثير الأسئلة». وهو وصفٌ دقيق، لأن الأسمري لا يكتب دراسةً عن الانقراض، بل يكتب قصيدة نثرية فلسفية ممتدة تستعير صوراً من العلم والتاريخ والأسطورة، ثم تصبّها كلها في سؤال مركزي واحد.
فرضية الغياب
بنية الكتاب تقوم على فرضية واحدة محكمة: أن يختفي الإنسان بصمت تام، وأن تبدأ الأرض في استرداد نفسها. لكن الأسمري لا يتعامل مع هذا كتخيّل خيالي علمي، بل كمختبر فلسفي مفتوح. فصلٌ تلو الآخر يأخذ عنصراً من عناصر الحضارة — الساعة، الشجرة، الحديد، البحر، المكتبة، اللغة، الخريطة — ثم يطرح عليه السؤال ذاته: ماذا يحدث لك حين لا أكون هنا؟
الإجابات مُدهشة في تنوعها. الساعات تتوقف كل واحدة عند لحظة مختلفة فتُعلن انتهاء «توحيد الزمن» الذي صنعه الإنسان. الأشجار تزحف إلى الشوارع خلال سنوات قليلة تشق الإسفلت وتتسلق الجدران. الحديد يصدأ ببطء شعري، والجسور الكبرى تنهار بلا صراخ ولا دموع. والبحر يتقدم ليأكل المدن بالصبر لا بالغضب.
«حين توقفت عقارب الزمن البشري، لم يتوقف الزمن نفسه. نحن الذين توقفنا، نحن الذين كنا نحتاج إلى عقارب كي نشعر أننا موجودون».
الأسلوب.. شعرٌ يرتدي ثوب الفلسفة
يكتب الأسمري بأسلوب ناضج، وذي طابع خاص. كل فصل يفتتح بجملة استهلالية مُكثَّفة كاللقطة السينمائية، ثم ينفتح على الحكاية بصبر وعمق. والفلاسفة يحضرون — أرسطو، وأوغسطين في باب الزمن، ونيتشه في باب الحديد، وهايدغر في باب البيت — لكنهم يحضرون لخدمة الفكرة لا للاستعراض.
والأسلوب يمنح الأشياء صوتاً يتألم، لكنه «يبكي بصوت أنين الجسور وصرير المصانع» دون تجسيد مبالغ فيه. الحديد ليس شخصاً صامتاً: البحر لا ينتقم، «بل يعود إلى نفسه». المكتبة لا تحزن، لكن كتبها «تصرخ صرخةً صامتة: نريد أن نُقرأ، ولا أحد هناك ليستجيب». هذا هو ما يجعل الكتاب أدبياً بامتياز: أن يُضفي الحياة على الصمت دون أن يكذب عليه.
مكة.. لحظة الغياب الأكثر حزناً
في فصل «مدن حلمت بالبقاء» يتأمل الأسمري غياب مكة المكرمة، وهنا يبلغ الكتاب ذروته الأكثر حساسيةً وعمقاً. يكتب: «الكعبة بقيت في مكانها، حجرها الأسود ما زال في موضعه، لكن الطواف توقف… بدا المكان كأنه يفتقد الإنسان أكثر من أي مكان آخر، لأن وظيفته لم تكن أن يبقى بلا همٍّ، بل أن يحتضن حضورهم».
هذا المقطع وحده يكشف عن نضج الرؤية الروحية: الكعبة بلا طائف ليست الكعبة التي نعرفها — وهذه حقيقة دينية قبل أن تكون أدبية.
الغبار واللغة.. أصغر الأشياء وأعمقها
من أكثر الفصول إدهاشاً فصلان متجاوران: «الغبار يتكلم» و«اللغة بعدنا». في الأول يصف الأسمري الغبار بأنه «ذاكرة الأشياء الصغيرة»، وأنه أكثر ديمقراطيةً من البشر لأنه يغطي كل شيء بالتساوي — الملك والفقير، المقدس والعادي.
وفي الثاني يطرح سؤالاً وجودياً: ماذا تصبح اللغة حين لا يبقى من ينطق بها؟
«رسالةٌ بلا مُستَلِم.. وجملةٌ لم تُكتمَل»
الخاتمة ليست عن الموت
يختتم الأسمري كتابه بما هو أبعد من التشاؤم وأعمق من التفاؤل السطحي. في «مشهد الختام» يكتب: «نحن لم نغب بعد، وما زلنا نملأ الأرض بضجيجنا، لكن حين نتأمل صورة الغياب ندرك هشاشتنا — ندرك أن كل ما نصنعه لا قيمة له بلا روح».
والرسالة ليست دعوةً للإحباط، بل للمسؤولية: «إذا كنا زائرين، فلنكن زائرين لطفاء، لا غزاةً متعجرفين».
«الأرض لم تفقدنا… نحن الذين فقدناها»










































