اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٥ حزيران ٢٠٢٦
ناصر العماش
ليست كل مشكلات المدن تُحل بالإسفلت، ولا كل الاختناقات تحتاج إلى طريق جديد. أحيانًا يكون الحل في إدارة الوقت أكثر من إدارة المساحة، وفي تغيير السلوك أكثر من تغيير البنية التحتية. ومن هذا المنطلق تأتي مبادرة الدوام المرن التي أطلقتها الهيئة الملكية لمدينة الرياض بوصفها خطوة جريئة لإعادة توزيع الحركة اليومية داخل المدينة.
لقد اعتدنا لعقود طويلة على نمط واحد يبدأ فيه الجميع يومهم تقريبًا في الوقت ذاته، وينهون أعمالهم في الوقت ذاته أيضًا، فكانت النتيجة ساعات ذروة مكتظة، وشوارع تتكدس فيها المركبات، وأوقات طويلة تُهدر بين إشارات المرور والطرق المزدحمة. ومع النمو المتسارع الذي تشهده الرياض، أصبح من الضروري البحث عن حلول أكثر مرونة واستدامة.
الدوام المرن لا يختصر القضية في تغيير ساعة الحضور أو الانصراف، بل يعكس تحولًا في مفهوم إدارة العمل وإدارة المدينة معًا. فحين تتوزع حركة الموظفين على فترات زمنية مختلفة، تنخفض الضغوط على شبكة الطرق، ويتحسن انسياب الحركة، ويستفيد الجميع من وقت كان يُستهلك يوميًا دون عائد حقيقي.
ولعل أهم ما يميز هذه المبادرة أنها تنطلق من فهم أن الوقت مورد اقتصادي لا يقل أهمية عن المال. فالدقائق التي يقضيها آلاف الموظفين في الازدحام تتحول في مجموعها إلى ساعات إنتاجية مهدرة، وتكاليف إضافية، وضغوط نفسية تؤثر في جودة الحياة والأداء المهني على حد سواء.
كما أن نجاح الدوام المرن يرتبط بقدرة المؤسسات على الانتقال من ثقافة مراقبة الحضور إلى ثقافة قياس الإنجاز. فالموظف المنتج لا تُقاس قيمته بوقت دخوله إلى المكتب، بل بما يحققه من نتائج وما يضيفه من قيمة لجهة عمله. وهذه أحد أهم التحولات التي تتجه إليها بيئات العمل الحديثة حول العالم.
ومع ذلك، فإن نجاح المبادرة لن يتحقق بقرار إداري فقط، بل يحتاج إلى وعي مجتمعي وتعاون بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص، إضافة إلى متابعة مستمرة لقياس الأثر وتطوير التجربة وفق نتائجها الفعلية.
الرياض اليوم لا تبحث عن حلول مؤقتة للازدحام، بل تعمل على بناء نموذج حضري متكامل يواكب مكانتها كإحدى أسرع مدن العالم نموًا. وإذا أثبت الدوام المرن نجاحه، فقد لا يكون مجرد مبادرة تنظيمية عابرة، بل خطوة مهمة نحو مدينة أكثر كفاءة، وأكثر إنتاجية، وأفضل جودة للحياة.










































