اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١ أيار ٢٠٢٦
د. عبدالرؤوف الخوفي
كعادته في إحدى الليالي وبينما كان منعزلاً في غرفته يتصفّح كتابًا يظن أنّه يقرؤه، حتى تنبّه فجأةً إلى أنه لا يقرأ، بل يتشرنق! كانت عيناه تمسحان السطور بسرعة، غير أنّ عقله كان مشغولًا بنسج الردود قبل أن تكتمل الفكرة. كان كمن يبحث عن ثغرة في اليقين استعدادا لمباغتة المؤلف، كان يُدافع عن أفكاره الشخصية المُسبقة كمن يُبارز خياله. حينها توقّف قليلا.. وقرّر أن يرى المشهد من الخارج.. فرأى رجلاً يخاف على أفكاره أكثر من رجل يبحث عن الحقيقة. ورأى حارس نقصٍ أكثر من مِقدامٍ منفتحٍ على المعرفة.. شعر بخيبةٍ هادئة، وما تلك لأنه أيقن بخطئه، بل لأنه أدرك أنّ الأفكار التي طالما منحته إحساسًا باتساع الأفق أصبحت الآن تضيق به وتُسيّجه بأسوار يذود عنها بدل أن يتجاوزها.
شعر في تلك اللحظة كما لو انطفأت في داخله شهوة الجدال، وحلّ محلّها سؤال آخر: كيف تحوّلت الفكرة من كونها نافذةً نطلّ منها على بَراح العالم إلى جدارٍ نلصق به وجوهنا؟ وكيف يُمكن لعقلٍ أن يتحرّر من سجنه وهو لا يعلم أنه السجّان أصلًا؟
إنّنا كثيرًا ما نستنزف وَقَارنا حين نُسرف في الوثوق بأفكارنا حدّ لوثة الكمال، حتى لتتحوّل من وسيلةٍ للفهم إلى قيدٍ على الفهم ذاته. وهنا تتجلّى المفارقة الكبرى.. فما نستخدمه لتوسيع وعينا قد ينقلب في غفلةٍ منّا إلى ما يحدّ منه، وعندها يتحوّل العقل إلى محامٍ عن أوهامه.
قد يظنّ الإنسان في لحظةٍ لا تبدو استثنائية أنه يفكّر، بينما هو في الحقيقة يُعيد ترتيب قناعاته القديمة بطرقٍ أكثر ملاءمة لحاله. فهو يقرأ لكنّه لا يستقبل، ويسمع لكنّه لا يُصغي.. إنّه كمن يعمل على إعادة الالتفاف حول نفسه ليصنع شرنقته الفكريّة من جديد..
ففي البدء كانت الفكرة؛ حيث الإنسان صافي الذهن طيّع التشكّل لكن سرعان ما يمتلئ بالمفاهيم والتصوّرات، فيبني لنفسه عالمًا من الأفكار يلوذ به ويأوي إليه.
غير أنّ المعضلة لا تكمن في امتلاك الأفكار، بل في الكيفية التي نُقيّم علاقتنا بها. فالفكرة في أصلها احتمالٌ للفهم، لا حكمٌ نهائيّ عليه. وحين نُحمّلها أكثر مما تحتمل نُسقِط عليها رغبتنا في الثبات، فنحوّلها من حيث لا نشعر إلى يقينٍ يُغلق أبواب الإمكان. فإذا كانت التجربة الإنسانية مهمة لبناء الوعي فإنّ المكوث في حدودها الذاتية يَحُول بين الإنسان وارتقائه.
إنّ العقل حين يُدمن الدفاع يفقد بالتدريج قدرته على الإصغاء. وحين يفقد الإصغاء فإنه لا يعود يرى في النصوص إلا نفسه، فيغدو أسيرًا لصوته الداخلي يقرأ ذاته في كل شيء معتقدًا أنّه يقرأ العالم. ومن هنا تنشأ تلك العزلة الخفيّة.. عزلةٌ لا تنبع من قِلّة المعرفة، بل من تُخمتها في الذات.
فكم هو خطأ أن نُحوّل النص من فضاءٍ للاحتمال إلى متّهمٍ قبلاً بالاعتلال. فنحن بحاجة إلى أن نعي بأنّ المعرفة ليست غلبة، وأنّ الحوار ليس معركة، وأنّ التراجع عن الفكرة ليس خسارة.
ولعلّ أخطر ما في هذا التحوّل أنّه لا يحدث دفعةً واحدة، بل يتسلّل في هيئة اكتمال. فيبدأ على شكل ثقة قبل أن يتحوّل إلى يقين، ثم يستقرّ في صورة تعصّبٍ لا يُعلن عن نفسه، بل يتخفّى في لغةٍ هادئةٍ. وعندها لا يعود الإنسان يدافع عن فكرةٍ بعينها، وإنّما عن صورة ذاته. وبعدها يغدو التراجع صعبًا؛ حيث التخلّي عن الفكرة يُشبه التخلّي عن هويته.
ومن هنا يتبيّن لنا أنّ الحرية الفكرية لا تُقاس بمدى ما نختاره لأنفسنا من أفكار، بل بمدى ما نملكه من استعدادٍ لمغادرتها إذا استدعى الأمر.
ومع ذلك فإنّ التحرّر من شرنقة الفكر لا يعني الجُرأة على الثوابت والقيم التي بها يستقيم حال المجتمع ويُحصَّن أفرادُه، ولا يعني مطلقًا أن يكون العقلُ مكبًّا لنفايات الفكر من شرق وغرب، لكنه تحرُّرٌ يعالج داء تيبُّس الأفكار في الدماغ. إذ تبرز هنا القيمة المُلحَّة للتحصين الفكري الذي هو حاجة العصر في زمنٍ عاصفٍ بالمعلوماتيّة؛ لأن اليقين الحقيقي هو ما يسمح لنفسه بمساءلة دوافعه دون أن يفقد بوصلته.
ختاما .. ليست المشكلة في أن يكون للإنسان فكرة، بل المشكلة في أن يكون للفكرة إنسانٌ يحرسها. إذ إنّ النصّ الحقيقي لا يمنحك ما تعرف، بل يُربك ما تظنّ أنّك تعرفه. وحين لا يُغيّر فيك شيئًا فاعلم أنّك لم تغادر شرنقتك بعد.










































