اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ٨ تشرين الثاني ٢٠٢٦
يُعد الفكر المتطرف المرتبط بالعنف المعنوي والمادي تهديداً وجودياً يمس كل مكونات المجتمع وأبعاده الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وهو يشكل انحرافاً صارخاً في التفسير والتطبيق لما يدعيه أصحاب هذا الفكر مستندين إلى أسس دينية بالدرجة الأولى. وحتى نفك لغز التطرف الفكري الديني الممنهج، وبناءً على قراءة تاريخية وعلمية عميقة لهذه الأزمة التي تهدد أمن المجتمعات، لابد من تفسير هذا التصرف وكيف ينطلق ويشكل مساراته؛ لأن القراءة العلمية هي الحل الأمثل لصياغة القوانين والمسارات التي تقف سداً منيعاً أمام هذا العمل الإرهابي، وتضعنا أمام واقع ملف ساخن كان له أثر بالغ في صناعة الفوضى وتشويه المبادئ الدينية كافة.
إن المتعمق في هندسة هذا السلوك الإجرامي يجد أن معظم منتسبي هذا الفكر هم ممن يعانون من تدني الفكر والمكانة الاجتماعية، حيث يرافقهم شعور حاد بأنهم بلا قيمة حقيقية في محيطهم. ولأن سد هذا النقص يتطلب إمكانيات وتعليماً وجهوداً وإبداعاً -وهي مقومات يفتقرون إليها- تكون الطرق الأسهل والأقل تكلفة هي ادعاء التوجهات الدينية المتزمتة. وبما أن الدين، حسب التفسير القاصر الذي يتلقاه، يركز على الزهد الشكلي قافزاً عن التوجيهات الإلهية الداعية إلى أن الإنسان خليفة الله في الأرض وُجد للبناء والعمل والبحث والتميز، فإن هذا الفرد يهرب إلى حلقات توجيهية تاركاً العمل الحقيقي، لينتقل تدريجياً من مرحلة تلقي معلومات عامة إلى مرحلة معاقبة المجتمع الذي بات يراه منحرفاً، معلناً نفسه فارساً وهمياً لإقامة ميزان العدل.
ولأن المجتمعات عموماً تميل بطبيعتها إلى العاطفة، فإن قبول الأفراد لهم يكون سهلاً وميسوراً تحت عناوين التدين الظاهري، ليظهر أحدهم بمظهر الشيخ أو الوصي المهاب الذي يلعب دور ضابط الجودة الاجتماعية زيفاً. والمثير للريبة حقاً أن الواقع العملي والسلوكي يثبت تجردهم من القيم الحقيقية وفائدتهم المجتمعية المنعدمة؛ فلا نجد لهم بصمة في تقديم أي درجة من المساعدة الاجتماعية أو العون الإنساني لعامة الناس، بل تنحصر بصماتهم فقط داخل تجمعاتهم الوهمية ووظائفهم الدينية المزعومة. وتتجلى ذروة الانحراف هنا في نكرانهم للمجتمع، حيث لا يجيزون تقديم المساعدة أو الود إلا لمن هم من شاكلتهم وفكرهم وحدهم، متخذين من تلك الدوائر المغلقة ملاذاً اقتصادياً واجتماعياً يعوضهم عن فشلهم.
وتفكيكاً لتلك المعادلة المعقدة، فإن الأمر لا يقف عند حد الجلسات المعروفة في أماكن محددة أو دور العبادة، بل يتعداه إلى خلايا وجلسات خفية تُعقد داخل المنازل وفق جدول زمني دقيق للتدراس والتفكر المزعوم. وفي هذه الجلسات المنزلية، يقوم دُعاة هذا الانحراف بسرد تفاسير دينية مغلوطة تهدف إلى التذكير المبطن بالكراهية وشحن النفوس بالتنفير، مما يؤكد أن معالجة الآفة تستوجب التعامل مع الصورة الكاملة وجذورها النفسية والفكرية لا الوقوف عند مخرجاتها وشكلياتها فقط. وتنعكس هذه السطحية الفكرية في التناقض السلوكي الحاد لمتبعي هذا النهج؛ فتراهم يتشنجون في مظاهر شكليّة وشعارات براقة كشعارات المقاطعة الشكليّة للمشروبات أو الأطعمة البسيطة كما حدث في مواقف عديدة، في حين يستمتعون ويعتمدون كلياً على السيارات والطيران والأدوية والبرامج والتقنيات التي ينتجها العالم ذاته، مما يكشف عن حالة من الفصام والانفصام الذهني والجهل السلوكي.
إن التاريخ الممتد عبر آلاف السنين يؤكد حقيقة ثابتة: وهي أن كل أفكار الإرهاب والتطرف لم تنجح ولن تنجح في عزل الإنسان عن مجتمعه ومعتقده وأصوله السوية؛ فالأنبياء والرسل كانت أهدافهم دعوية بالدرجة الأولى قائمة على الحكمة والموعظة والرفق، لا على الإكراه والتكفير والوصاية. ورحم الله شهداء الوطن جميعاً الذين قدموا أرواحهم سداً منيعاً في وجه هذا العبث. ولأن المعركة الأساسية هي صناعة الإنسان وتأهيله، حيث يندر أن نجد طبيباً أو مهندساً أو طياراً أو صحفياً أو فناناً يمارس الإرهاب، فإن الوقاية تتطلب التأسيس لـ 'بورد علمي شرعي' يُلزم كل من يعمل في مجال الدعوة والإرشاد الخضوع لاختبارات علمية تحقق من مؤهلاته وتمنع أدعياء العلم من اعتلاء المنصات أو عقد الجلسات المسمومة، إلى جانب تفعيل دور رعاية الشباب والمؤسسات الرسمية لاحتواء الطاقات في مجالات الإبداع والفنون والرياضة والعلوم.












































