اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١ أيلول ٢٠٢٦
د. محمد المسعودي
35% من المراهقين تعرضوا لمحتوى مزيف ضلّلهم، و22% شاركوا محتوى قبل أن يكتشفوا زيفه.. وفي عالمٍ يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي صناعة الوجه والصوت والمشهد، يواجه أبناؤنا سؤالًا جديدًا وأكثر إرباكًا: هل ما يرونه حدث أصلًا؟!
كان يكفي في زمن قريب أن ترى صورة، أو تسمع صوتًا، أو تشاهد مقطعًا كاملًا حتى تمنح ما أمامك قدرًا كبيرًا من الثقة. الصورة كانت شاهدًا، والصوت قرينة، والفيديو أقرب ما يكون إلى الحقيقة. اليوم تغيرت هذه المعادلة. يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يصنع وجهًا لم يوجد، وصوتًا لم يُسجّل، ومشهدًا لم يحدث، ثم يقدمه لنا بدرجة من الإقناع تجعل السؤال أكثر صعوبة: ماذا نصدق؟
هذا السؤال يصبح أكثر حساسية عندما يتعلق بالمراهقين، ففي السعودية، تكشف أرقام 'تقرير إنترنت السعودية 2025' عن حجم البيئة الرقمية التي يعيش داخلها هذا الجيل. انتشار الإنترنت لدى الفئة العمرية من 10 إلى 19 عامًا بلغ 99.8%، فيما وصل استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لديها إلى 53.4%. نحن أمام جيل يعيش التقنية داخل تفاصيل يومه، ويتعلم ويبحث ويتواصل ويشاهد من خلالها.
وهنا تتغير وظيفة الوعي الإعلامي نفسها، حيث كنا نتحدث طويلًا عن التحقق من الأخبار، ومعرفة المصدر، والتمييز بين الخبر والرأي. الذكاء الاصطناعي يضيف سؤالًا أكثر عمقًا: هل ما أراه حدث أصلًا؟
هذه النقلة تحتاج إلى انتباه تربوي واجتماعي مبكر. فالتزييف العميق تجاوز التجارب التقنية المدهشة، ودخل حياة المراهقين اليومية. دراسة وطنية أميركية نشرتها Common Sense Media عام 2025 وشملت 1,045 مراهقًا بين 13 و18 عامًا وجدت أن 35% منهم تعرضوا لمحتوى مزيف ضللهم، وأن 22% سبق أن شاركوا محتوى ثم اكتشفوا لاحقًا أنه مزيف، وأكثر من ربع المشاركين تساءلوا في تجربة ما إن كانوا يتحدثون مع إنسان أو روبوت محادثة.
هذه الأرقام تقول شيئًا مهمًا، بل تفتح سؤالًا أكبر: كيف يميّز المراهق بين الحقيقة وما صُنع ليبدو حقيقة؟
وما يزيد حساسية المسألة أن المراهق يعيش مرحلة تتشكل فيها نظرته إلى نفسه والآخرين، وتكتسب فيها صورة الأصدقاء والمشاهير والمجتمع وزنًا كبيرًا. وحين تدخل المواد المصطنعة إلى هذه المساحة، تصبح قدرتها على إرباك الأحكام والعلاقات أكبر. صورة واحدة مزيفة قد تشعل تنمرًا، ومقطع مصنوع قد يهدم سمعة، وصوت مستنسخ قد يصنع خلافًا لم يبدأ أصلًا.
وقد اقترب الخطر أكثر من حياته الشخصية. في يوليو 2026 نشرت المؤسسة نفسها دراسة شملت 1,314 مراهقًا بين 13 و17 عامًا، وأظهرت أن قرابة نصفهم شاهدوا محتوى صريحًا مولدًا بالذكاء الاصطناعي، وأن واحدًا من كل أربعة تقريبًا ممن شاهدوه رأى مادة تصور شخصًا يعرفه أو تصوره هو نفسه. هنا يصبح التزييف اعتداءً على السمعة والخصوصية والعلاقات والثقة داخل المدرسة والمجتمع الصغير للمراهق.
وأخشى أن تكون المشكلة القادمة أكثر تعقيدًا من تصديق المزيف، حين يكتشف المراهق مرارًا أن الصورة يمكن صناعتها، وأن الصوت يمكن استنساخه، وأن الفيديو يمكن تركيبه، قد يبدأ في الشك حتى في المحتوى الحقيقي. عندها ندخل منطقة معرفية حساسة: إذا أصبح كل شيء قابلًا للتزييف، فقد يصبح كل شيء قابلًا للإنكار أيضًا.
لهذا أرى أن الوعي الإعلامي في عصر الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى الانتقال من مهارة التحقق من المعلومة إلى مهارة أوسع: التحقق من الواقع.
ويبدأ ذلك من المدرسة والأسرة.. نحتاج إلى مراهق يعرف كيف يبحث عن المصدر الأصلي، ويفحص سياق الصورة، ويتوقف أمام المقاطع المثيرة قبل مشاركتها، ويفهم إمكانات التزييف العميق، ويتعامل بحذر مع المحتوى الذي يستهدف السمعة أو الخصوصية. الوعي هنا يتشكل بالممارسة؛ أن نضع المراهق أمام صورة أو مقطع، ثم نمنحه الأدوات التي تساعده على السؤال والتحليل والتحقق واتخاذ قراره.
التقنية ستواصل تقدمها، وستصبح قدرتها على تقليد الواقع أكثر براعة.. ومن الصعب أن ندخل سباقًا مع كل صورة وصوت ومقطع جديد، والرهان الأجدى أن نبني عقلًا يعرف كيف يتعامل معها.
فجيل الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى سؤال جديد يرافقه كلما فتح شاشة: هل رأيت الحقيقة.. أم رأيت ما يشبهها؟










































