اخبار الاردن
موقع كل يوم -سواليف
نشر بتاريخ: ٢٩ أب ٢٠٢٦
حين يتغوّل رأس المال على الجامعة… من يحمي علماء الجامعات الخاصة؟
د محمد تركي بني سلامة
وصلتني خلال الأيام الماضية من الميدان، ومن عدد من الزملاء العاملين في الجامعات الخاصة، معلومات مؤلمة ومقلقة حول ما يجري في ملف حوافز النشر العلمي، وما يتعرض له بعض أعضاء هيئة التدريس من انتقاص لحقوقهم، أو تغيير في قواعد صرف الحوافز وشروطها، أو وضع مبررات تؤدي في النهاية إلى حرمان الباحث من ثمرة جهد علمي أنجزه وفق الأنظمة والتعليمات التي كانت قائمة عند إنجاز بحثه.
وإذا صحت هذه الوقائع بالصورة التي وصلتني، فإننا لسنا أمام خلاف مالي عابر بين موظف وإدارة، بل أمام قضية وطنية وأكاديمية تمس كرامة الأستاذ الجامعي، ومكانة البحث العلمي، وهيبة الجامعة الأردنية ورسالتها.
حوافز النشر العلمي ليست مِنّة يتفضل بها مالك الجامعة أو إدارتها على الباحث، وليست مكافأة مزاجية تُمنح اليوم وتُحجب غداً. فعندما تكون هذه الحوافز مقررة بموجب أنظمة أو تعليمات أو قرارات نافذة، فإنها تصبح حقاً ينبغي احترامه. وخلف كل بحث منشور أشهر وربما سنوات من القراءة والبحث والكتابة والتحليل والتحكيم والمراجعات، وقد يدفع الباحث من ماله الخاص رسوماً كبيرة حتى يرى بحثه النور.
فبأي منطق يُطلب من الأستاذ الجامعي أن ينتج وينشر ويرفع تصنيف جامعته وسمعتها، ثم يجد نفسه عند المطالبة بحقه أمام أبواب مغلقة أو شروط مستحدثة أو تفسيرات إدارية ومالية لم تكن موجودة عندما بدأ بحثه؟
والسؤال الأكثر إيلاماً: كيف وصل بعض الأكاديميين إلى مرحلة يخشون فيها المطالبة بحقوقهم؟ وكيف أصبح الخوف على الوظيفة أقوى من القدرة على الدفاع عن الكرامة المهنية؟
ثم يأتي السؤال الأكبر:
من سمح لرأس المال بأن يتغوّل على رسالة الجامعة والعلم والعلماء؟
نحن مع الاستثمار في التعليم، ونريد للجامعات الخاصة الأردنية أن تنجح وتتوسع وتنافس إقليمياً ودولياً، لكن الاستثمار في التعليم ليس استثماراً في مصنع أو شركة تجارية عادية. الجامعة مؤسسة علم ورسالة قبل أن تكون مشروعاً مالياً، والأستاذ الجامعي ليس رقماً في كشف الرواتب، والبحث العلمي ليس بنداً يمكن شطبه عندما تتعارض حقوق الباحث مع حسابات الأرباح.
ولا يمنح امتلاك رأس المال صاحبه تفوقاً علمياً أو أكاديمياً على أستاذ أمضى عقوداً في الجامعات والمختبرات والمكتبات، وحمل أعلى الدرجات العلمية، ودرّس أجيالاً وأسهم في إنتاج المعرفة.
المال يبني مبنى الجامعة، لكنه لا يصنع جامعة. العلماء هم من يصنعونها.
ولهذا أتساءل عن موقف وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية والجهات الرسمية المسؤولة عن التعليم العالي والاعتماد وضمان الجودة: من يراقب هذه الممارسات؟ ومن يضمن حقوق أعضاء هيئة التدريس في الجامعات الخاصة؟ وهل يجوز تغيير قواعد الحوافز بعد إنجاز البحث؟ وهل هناك جهة يستطيع الأستاذ الجامعي اللجوء إليها دون أن يخشى على عقده أو مستقبله الوظيفي؟
إن غياب مظلة مهنية فاعلة تحمي العاملين في الجامعات، وخصوصاً الجامعات الخاصة، يجعل من الضروري إعادة التفكير في إنشاء كيان وطني مهني مستقل وقانوني للدفاع عن حقوق الأكاديميين وصون كرامتهم؛ كيان لا يعادي الجامعات الخاصة ولا المستثمرين، بل يحمي العلاقة بينهم وبين أعضاء هيئة التدريس من الاختلال والتغول.
وهنا أستعيد تجربة أعتز بها، عندما تحركنا قبل سنوات، مجموعة من الأكاديميين من الجامعات الرسمية والخاصة، باتجاه تأسيس الملتقى الوطني لشؤون الجامعات. وقد جمعت تلك المبادرة نخبة من الزملاء الذين حملوا هماً أكاديمياً ووطنياً مشتركاً.
وأذكر منهم، بكل تقدير، الأستاذ الدكتور علي الضلاعين، والدكتور يوسف ربابعة، والدكتور محمد درادكة، والدكتور صامد دراوشة، والدكتور عبد المجيد نصير، والدكتور عبدالله بني عبدالرحمن، والدكتور عمر الصرايرة، والدكتور قاسم الحموري، والدكتور محمد الشناق، والدكتور محمد ملحم ، والدكتور محمود ربابعة البلقاء، والدكتور مصطفى حيادرة، والدكتور موفق عتوم، إلى جانب عدد آخر من الزملاء من جامعة اليرموك والجامعات الأردنية الرسمية والخاصة الذين آمنوا، في تلك المرحلة، بأهمية وجود صوت أكاديمي وطني مستقل.
وللتاريخ والإنصاف، فإن ذكر هذه الأسماء هنا يأتي في سياق مشاركتهم أو حضورهم في تلك التجربة السابقة، وليس بالضرورة تعبيراً عن موقفهم من القضية التي أطرحها اليوم.
لقد كانت أهداف الملتقى نبيلة ورسالته واضحة: التعليم أولاً، والجامعة مؤسسة وطنية، وكرامة الأستاذ الجامعي خط أحمر، والدفاع عن المستضعفين في الجامعات الرسمية والخاصة واجب أخلاقي ومهني.
لكن الفكرة، للأسف، ضعفت تدريجياً، وتراجع الحماس لها حتى كادت تختفي.
واليوم، أمام ما أسمعه من بعض الزملاء، أطرح السؤال من جديد:
هل حان الوقت لإحياء الملتقى الوطني لشؤون الجامعات؟
بل ربما نحتاج اليوم إلى إطار أوسع وأكثر مؤسسية، يستطيع أن يتلقى شكاوى الأكاديميين، ويوثق الانتهاكات، ويقدم المشورة القانونية، ويتابع قضايا الحقوق المالية والأكاديمية، ويدافع عن حرية الأستاذ الجامعي وكرامته بعيداً عن الشخصنة أو تصفية الحسابات.
وأؤكد هنا أنني لا أتهم جامعة بعينها ولا مالكاً بعينه، ولا أصدر أحكاماً قبل سماع مختلف الأطراف. لكن ما وصلني من معلومات وشهادات يستحق التحقق، ولا يجوز أخلاقياً أن نسمع شكاوى زملائنا ثم نصمت.
وسأواصل الاستماع والتوثيق، لأن الدفاع عن حقوق الأكاديميين يجب أن يقوم على الحقائق والوثائق والأدلة، لا على الإشاعات والانفعالات.
رسالتي إلى أصحاب الجامعات وإداراتها بسيطة:
احترموا العلماء الذين يصنعون سمعة جامعاتكم.
ورسالتي إلى الجهات الرسمية:
لا تتركوا الأستاذ الجامعي وحيداً أمام قوة رأس المال والإدارة.
ورسالتي إلى زملائي:
الحقوق التي لا تجد من يدافع عنها تتحول مع الوقت إلى امتيازات يمنحها الأقوى متى شاء ويسحبها متى شاء.
أما موقفي، فهو واضح: كنت وسأبقى جندياً في معركة العلم، والدفاع عن العلماء والبحث العلمي، وحمل رسالة الأردن والدفاع عن مصالحه بالكلمة المسؤولة والموقف الحضاري.
فالجامعة التي لا تصون كرامة علمائها لن تصنع معرفة، والبلد الذي يريد أن يبني اقتصاداً قائماً على المعرفة يبدأ أولاً باحترام من ينتجون المعرفة.
والله من وراء القصد.












































