اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٦ أب ٢٠٢٦
د. خالد رمضان
في عالم الذكاء الاصطناعي، حيث تُرسم خرائط القوة التكنولوجية بهدوء خلف الشاشات، تتحرك الصين بخطى محسوبة لتعيد تعريف معنى «المصادر المفتوحة»، ومن خلال هذه التحركات تثبت بكين أن ما كان يوماً فضاءً عالمياً مشتركاً للابتكار، أصبح اليوم ساحة تنافس استراتيجي، والذكاء الاصطناعي هو أبرز جبهاته، وقد تؤثر استراتيجية الصين للمصادر المفتوحة على المنتجات والخدمات التي يستخدمها الناس في جميع أنحاء العالم، لا سيما مع تحول الذكاء الاصطناعي إلى تقنية يومية.
منذ سنوات، راهنت الصين على بناء منظومة تقنية مستقلة، بهدف تحريرها من أي سيطرة أجنبية، ولم تكتفِ الشركات الصينية بنسخ الأنظمة الغربية، بل سعت إلى صياغة بدائلها الخاصة، ومن نظام «ريد فلاج لينكس» إلى «كي لين»، ومن «هارموني أو إس» إلى منصات مثل «جيتـي» و«أوبن أتوم»، رسمت الصين مساراً واضحاً وهو أن الاعتماد على الذات في عالم رقمي يعتمد أصلاً على المشاركة المفتوحة.
اليوم، انتقل هذا الرهان إلى قلب الذكاء الاصطناعي، فهناك نماذج مثل «ديـب سيك» و«كوين» و«كيمي» و«جي إل إم» تُطرح بأوزان مفتوحة، مما يسمح للمطورين باستخدامها وتعديلها، وباعتقادي فإن هذه الاستراتيجية ليست مجرد سخاء تقني، بل أداة ناعمة لتقليل الاعتماد على النماذج الأمريكية المغلقة، ولكسب نفوذ عالمي في صياغة معايير المستقبل.
لكن هذا الانفتاح يثير الجدل، فالنماذج الصينية المفتوحة غالباً ما تخضع لضوابط رقابية تتماشى مع التوجهات الرسمية، وبعض التراخيص تفرض شروطاً إضافية تمنح المحاكم الصينية أولوية في التفسير، وهكذا، يصبح ما يُسمى «مفتوحاً» في ظاهره، محكوماً في جوهره بقواعد جديدة قد لا تكون مألوفة للعالم الغربي.
في المقابل، ينقسم الغرب بين دعوات للانفتاح والحذر من انتقال النفوذ التقني شرقاً، وبينما تتصاعد القيود الأمريكية على الرقائق والنماذج، تراهن الصين على أن المصادر المفتوحة ستكون طريقها لتجاوز الحصار وكسب أسواق الجنوب العالمي.
والواقع، أن التنافس بين واشنطن وبكين، على الذكاء الاصطناعي تجاوز حدودَ ضوابط تصدير رقائق الذكاء الاصطناعي، ليتجه نحو تحديد من يقود تطوير الذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر، ومن المتوقع أن يناقش الرئيس شي جين بينغ الذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال زيارته للولايات المتحدة في سبتمبر المقبل.
وبالنسبة لنا في المنطقة العربية، فإن هذا التحول يحمل درساً استراتيجياً بالغ الأهمية، فالمصادر المفتوحة لم تعد مجرد خيار تقني، بل أصبحت أداة سيادة رقمية، والاستثمار في بناء منظومات محلية، وتطوير نماذج مفتوحة تتوافق مع احتياجاتنا وقيمنا، لم يعد رفاهية، بل ضرورة في عالم يتنازع فيه الكبار على مستقبل الذكاء الاصطناعي، وهكذا، فإن الصين لا تكتب فقط شيفرات برمجية جديدة، بل تعيد كتابة قواعد اللعبة نفسها، والسؤال الذي يفرض نفسه: هل سنكتفي في العالم العربي بالمتابعة، أم سنشارك في صياغة الفصل القادم من الثورة الصناعية الرابعة؟.










































