اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٧ أيلول ٢٠٢٦
د. علي الخشيبان
حلف مكة كما تعكس مؤشراته يستهدف استقرار المنطقة بالدرجة الأولى، ولا يسعى لتعزيز أو تغذية أي شكل من أشكال الاستقطاب، كونه تطورًا مختلفًا عن كل التحالفات التي سادت المنطقة، فهو لا يحل مشكلة مؤقتة؛ بل هو حالة استعداد كبرى أمام المستقبل، هدفها حماية السيادة في المنطقة وتأمين مصالحها الحيوية وتعزيز حوار المنطقة والتفاوض وفقًا للمصالح المتبادلة..
تحالف مكة هو تحالف (سعودي - تركي - باكستاني) تم توقيعه في مكة في السابع من أغسطس 2026م، يتمحور هذا التحالف حول فكرة رئيسة تؤكد ان الهجوم على اي دولة من هذه الدول الثلاث هو هجوم على الجميع، وهذا ما يماثل المادة الخامسة من نظام حلف الناتو، وتسعى الدول الثلاث كما أعلنت الى تحويل هذا الحلف الى مسار عملي يحقق عملية تثبيت للمشهد المتقلب في المنطقة من خلال العمل المشترك لعدد من الركائز الاستراتيجية المترابطة بين أعضاء الحلف، وفور خروج هذا التحالف الى العلن تصاعدت التفسيرات؛ وكانت الفرضية الأكثر انتشارا تحاول ان تجعل من هذا الحلف حلا لمشكلة دولية تتعلق بالقوى العالمية او حتى القوى المحلية في المنطقة.
هذا التفسير لا يمكن قبوله، فالظهور الطبيعي لهذا الحلف هو نتيجة طبيعية؛ يعكس واقع منطقة عاشت لأكثر من قرن من الزمان وهي تعاني من هشاشة استراتيجية كانت في معظمها مستوردة من الخارج، ومن هنا يصبح من غير المنطقي ان يتم وصف هذا الحلف او رمزيته الدينية (حلف مكة) كونه تحالفا موجها ضد بنية النظام العالمي او النظام الإقليمي، بمعنى دقيق لا يمكن قبول التفسيرات التي تحاول ان تحصر سبب هذا التحالف كونه تعبيرا عن تراجع في الالتزامات الأميركية تجاه دول المنطقة، كما انه لا يمكن قبول فكرة ان يكون هذا الحلف جزءا من عملية تناظر عسكري أو سياسي مع دول إقليمية سواء إيران أو إسرائيل، القراءة الأقرب الى الحقيقة هي ان المنطقة بقيادة دولة مثل السعودية بثقلها الاقتصادي والسياسي والديني، تبحث عن مسار استراتيجي يمكّنها من بناء خيارات متعددة تمنع مضاعفة الهاشاشة الاستراتيجية التي عانت منها المنطقة عبر الزمن.
التهديدات التي اتسعت خلال العقدين الماضيين من جميع الاتجاهات تطلبت اختراع حل أمني قادر على مواجهة تلك الأزمات، لأن التجربة الدولية لحل أزمات المنطقة من خارجها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية أفرزت نتائج مقلقة، فالهشاشة الاستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط أصبحت حقيقة ممتدة مع كل أزمة تدخلها منطقة الشرق الأوسط، من هنا يصبح من الطبيعي توقع ان تعيد المنطقة من داخلها قراءة واقعها بعد ان بدأت الظروف الدولية تسمح بذلك، فما اعتادت عليه المنطقة بأن الحلول تستورد ولا تنتج محلياً يبدو انه يصل الى نهايته، ما حدث في تحالف مكة هو تطور سياسي طبيعي للواقع الدولي؛ فرغبة المنطقة أصبحت ملحة من أجل بناء شبكة أمنية ممتدة عبر دولها الفاعلة بهدف تحويل هذه المنطقة الى بناء استراتيجي مرن قابل للبقاء والتعايش في ظل الظروف الدولية والإقليمية والحروب المحيطة.
السؤال الجوهري في هذا التحالف لا يجب ان يدور حول طبيعته ورمزية اسمه (تحالف مكة)؛ فالواقع يعكس أن قراءة مختلفة تنطلق من مجال العلاقات الدولية تؤكد ان هذا التحالف ظهر كنتيجة طبيعية لمؤشرات ظهرت في الأفق الدولي تتنبأ أن العالم اليوم يمر بتحول استراتيجي حتمي يتطلب من منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص فهما دقيقا لظروفها الإقليمية وترتيب مصالحها وفق آليات جديدة بعيدا عن التفسيرات التي تحصر ظهور حلف مكة كحلف مصالح قابلة للتحول والتآكل مستقبلاً.
حلف مكة كما تعكس مؤشراته يستهدف استقرار المنطقة بالدرجة الأولى، ولا يسعى الى تعزيز أو تغذية أي شكل من أشكال الاستقطاب، كونه تطورا مختلفا عن كل التحالفات التي سادت المنطقة، فهو لا يحل مشكلة مؤقتة؛ بل هو حالة استعداد كبرى أمام المستقبل، هدفها حماية السيادة في المنطقة وتأمين مصالحها الحيوية وتعزيز حوار المنطقة والتفاوض وفقا للمصالح المتبادلة سواء مع القوى الإقليمية أو الدولية، كما ان حلف مكة لا يعمل على استبدال المظلات الأمنية بأخرى؛ بل هو تحالف مرن قادر على بناء علاقات دولية وإقليمية ممتدة بين الشرق والغرب من أجل منطقة لم تعد بحاجة الى المزيد من محاور القوة، بل هي بحاجة ماسة إلى توازن القوى الذي يحافظ على السيادة والاستقلال.










































