اخبار السعودية
موقع كل يوم -صحيفة البلاد
نشر بتاريخ: ٢٦ أيار ٢٠٢٦
في الأماكن العامة، لا يكشف الصوت المرتفع دائمًا عن قوة الشخصية- كما يعتقد البعض؛ بل قد يكون انعكاسًا لحالة داخلية مضطربة، لا تُرى بسهولة. فبعض الأفراد حين يدخلون في مكالمة هاتفية مليئة بالمشكلات أو الانفعال، يتحول صوتهم إلى مساحة لتفريغ التوتر، أكثر من كونه وسيلة تواصل عادية. وكأن الضجيج الخارجي محاولة غير واعية لإخماد ضجيج أعمق يسكن الداخل.
اللافت أن بعض الأفراد لا يشعرون أصلًا بأنهم تجاوزوا حدود المكان، أو أزعجوا الآخرين، لأنهم اعتادوا على بيئات مليئة بالصوت والمقاطعات والانفعالات الحادة. فينشأ لديهم تصور مختلف لمعنى 'الهدوء” و”الخصوصية”، فيتعاملون مع الأماكن العامة، كما لو أنها امتداد طبيعي لمساحتهم الشخصية، دون إدراك للأثر الذي يتركونه حولهم.
وتشير الدلائل النفسية؛ بأن رفع الصوت لا يعد وسيلة لإثبات الحضور، أو فرض السيطرة أثناء الخلافات؛ بل قد يلجأ البعض إلى هذا السلوك؛ بسبب خشية التجاهل، وقد يرفع نبرته ليشعر- ولو بشكل مؤقت- بأنه الأقوى، أو الأكثر تأثيرًا؛ لذلك، لا يكون الصوت العالي دائمًا دليل ثقة، بل أحيانًا غطاء لشعور داخلي بعدم الأمان، أو الحاجة المستمرة للاهتمام ولفت الانتباه.
كما أن الإفراط في الحديث عن المشكلات الشخصية أمام الجميع، قد يكشف ضعفًا في إدارة الحدود النفسية والاجتماعية. فليس كل ما نشعر به يحتاج أن يُعرض على الملأ، لأن النضج الانفعالي يظهر غالبًا في القدرة على احتواء المشاعر، لا في نشرها بصوت مرتفع وبعض الأفراد يفرغون توترهم بالكلام العلني أمام الملأ؛ لأنهم لم يتعلموا كيف يواجهون الألم بهدوء.
ومما يجب أخذه بالحسبان أن طريقة حديث الأفراد مرآة خفية لعالمهم الداخلي. فالصوت الهادئ لا يعني دائمًا السلام، كما أن الصوت المرتفع لا يعني دائمًا القوة. لكن الوعي الحقيقي يظهر حين يعرف الفرد كيف يعبّر عن انفعالاته دون أن يفقد احترامه للمكان، وللآخرين، ولنفسه أيضًا.










































