اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٦ تشرين الأول ٢٠٢٦
سارة الشهري
ليس كل ساكنٍ مستريحًا، ولا كل متحركٍ ماضٍ إلى غاية؛ فقد تضجُّ الحياة بالحركة وهي راكدة، وقد يسكن الإنسان عن السعي وفي داخله ألف بداية. ولعل أشد ما يُبتلى به المرء ألا تتوقف أيامه و أن تتوقّف معانيها؛ فيصبح له من العمر امتداده، وليس له من الحياة إلا تكرارها.
والركود، في جوهره، ليس انعدام الحركة فحسب، لكنه انقطاع التحول! أن تتشابه الأيام؛ الأمس واليوم والغد حتى يفقد الزمن قدرته على إحداث الفرق. غير أنّ للركود وجهين: سكونًا تُسترد فيه القوى، وجمودًا تستنزف فيه النفس ما تبقّى من شغفها. وبين الوجهين مسافة دقيقة، شاسعة بمعناها لا يقيسها طول التوقف لكن تتتجسد في ما يحدثه التوقف في الإنسان.
وقد جاء في قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا) وفي هذه الآية بيان لما أودعه الله في تعاقب الليل والنهار من حكمة؛ فالنوم انقطاع عن العمل وراحة للأبدان يعقبه انتشار في النهار. وليس في ذلك تمجيد للجمود وإنما تذكير بأن دوام الحركة ليس شرطًا لدوام النفع.
وللركود فضيلة حين يكون استراحة واعية؛ إذ يمنح الإنسان فرصة لمراجعة اختياراته، وتمييز ما يريده حقًّا عمّا اعتاد ملاحقته. فكم من مسيرٍ أضناه الطريق لأنه لم يسأل إلى أين يمضي! وكم من متوقف عاد إلى وجهته أبصرَ مما كان! فليس كل توقف خسارة، فبعض التأخّر نجاةٌ من وجهةٍ خاطئة أو قرارت غير سليمة أو حتى فرصة لم تكن إلا خسارة!
ولكن، إنّ الركود إذا طال حتى أصبح مألوفًا، انقلب من ملاذٍ إلى قيد، ومن فسحةٍ للتأمل إلى ذريعة للتأجيل. وتلك إحدى مفارقاته المؤلمة؛ أن يألف المرء ما يؤذيه، حتى يجهل ضرره ورغم ذلك يخشى كلفة الخروج مما هو عليه. وهنا لا يعود السؤال: لماذا نقف؟ وإنما لماذا رضينا بالبقاء حيث توقّفنا؟
في علم النفس مبدأ «التنشيط السلوكي» يقوم على مساعدة الإنسان في استعادة انخراطه التدريجي في الأنشطة ذات المعنى، بدلاً عن الاستسلام لدائرة الانسحاب والتجنّب. وقد بيّنت مراجعة علمية نشرتها مؤسسة كوكرين عام 2020 أنّ هذا النهج قد يكون فعّالًا في علاج الاكتئاب، وإن تفاوتت قوة الأدلة وحدودها. وليس معنى ذلك أنّ كلّ راكدٍ مكتئب، أو أنّ الحركة دواءٌ لكلّ ألم؛ بل إن الفعل المدروس قد يكون أحيانًا بابًا لاستعادة الدافعية، لا نتيجةً ننتظر حضورها أولًا. لذلك يقال «انغمس فيما تحب ستشفى دون أن تدرك».
وحين نأتي لمخاطر الركود على الإنسان لا الاقتصاد أنه لا ينتزع أعمارنا دفعةً واحدة، بل يستقطعها على هيئة أيامٍ متشابهة؛ حتى نفيق على مسافةٍ شاسعة بين ما كنّا نرجوه وما أصبحنا نرضى به. وقد يخسر الإنسان في ركوده علاقاتٍ لم يرعها، ومواهب لم يصقلها، وفرصًا لم يطرق أبوابها؛ لا لعجزٍ محقّق، وإنما لاستسلامٍ تدرّج حتى اتّخذ هيئة القناعة أو الاستسلام.
وفي قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) تذكير بعظيم شأن ما يقع في النفوس وإن كان سياق الآية في بيان سنّة الله في أحوال الأقوام ونعمه عليهم. ومن هذا المعنى نستضيء، دون أن نحمّل الآية ما لا تحتمل، بأنّ مراجعة النفس وإصلاح ما فيها منطلق عظيم، وأن انتظار تبدّل الأحوال مع الإصرار على الأسباب ذاتها ضربٌ من التناقض في أغلب الأوقات.
ومع ذلك، ينبغي ألّا نقسو على من أثقلته الحياة حتى أعجزته عن المسير؛ فليس كل تأخر تقصيرًا، ولا كل فتورٍ تهاونًا. قد يستبطن السكون إنهاكًا أو مرضًا أو حزنًا لا تراه العيون، وقد يحتاج صاحبه إلى عون قبل أن يحتاج إلى موعظة. والحكمة ليست في مطالبة الجميع بالركض، والتمييز بين من يحتاج إلى راحةٍ تُرممه، ومن يحتاج إلى خطوةٍ توقظه أو حتى كلمة ترشده!
إنّ الحياة لا تقاس بعدد الخطوات وحدها، وإنما بصدق الوجهة وأثر المسير؛ «الراكضون في ميدان النجاح تختلف أوزانهم، هناك من يحمل عائلته معه، وهناك من يحمل معه مرضًا مزمنًا، وهناك من يحمل أيتامًا، وهناك من يحمل معه همًا يرافقه أينما ذهب، وهناك من يحمل نفسه فقط، وهناك من تحمله سيارة، فالسباق ليس بالأسرع وصولًا وإنما بالأكثر جهدًا وأثرًا» لذا قدّروا نجاحاتكم بالرغم من أي شي وفي أي وقت. ولنحذر من سكونًا يُميت فينا القدرة على البدء، ولنُحسن اغتنام سكونٍ يهيئ لنا أسباب النهوض؛ فليس كل توقف انطفاء، كما أنّ ليس كل استمرارٍ حياة.
والله أول الطريق وآخره، ومبتدأ الأمر ومنتهاه؛ فاللهم أعنّا على أن نحيا حياةً طيّبة، ولا نسألك حياةً لا عُسر فيها فقد قلت وقولك الحق: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ) ولكنّنا نسألك رضا لا تُزعزعه الشدائد، ويقينًا لا تُوهِنه تقلّبات المقادير، وقلبًا مطمئنًّا إذا اضطربت به الدنيا، وروحًا ساكنةً بحسن تدبيرك.
فاللهم ألهمنا أن نُدرك أنّ ما قضيتَه واقعٌ لا محالة، وأنّ ما مضى لا يُستدرك بالتحسّر، وما يأتي لا يستعجل بالقلق، وأنّ الحياة أهون من أن نثقلها بفرط التفكير، وأقصر من أن تفنى في تهويل العابر وتعظيم الزائل.
وأن نبصر، بعد طول السعي وتقلّب الأحوال، أنّ الحياة -- كلَّ الحياة --، ليست في خلوّ الأيام من كدرها، ولكن في سكينة الروح أمام أقدارها؛ فما أطيبَ عمرًا اطمأنّ فيه القلب، وما أهنأ عيشًا استراح فيه البال، وما أعظم نعمةً أن تسكن الدنيا من حولنا أو تضطرب، ويبقى في داخلنا سلامٌ لا يتبدد.










































