اخبار اليمن
موقع كل يوم -المشهد اليمني
نشر بتاريخ: ١٧ أذار ٢٠٢٦
عند التخرج في مجال التخصص الدراسي، كان من المقرر على كل طالب أن يقدم بحثاً بين يدي تخرجه النهائي في الدراسة، فكان هذا جزء من بحث مطول عام 2000م بعنوان (ألفاظ التضاد في القرآن الكريم)، وللفائدة أحببت أن أعيد نشر بعض منه بصيغة منشورات عادية..
مسألة التضاد في بعض ألفاظ القرآن الكريم شغلت اللغويين كثيراً قديماً ومن سار على نهجهم حديثاً؛ فهم بين مؤيد لوجود ألفاظ تضاد في القرآن الكريم؛ أي: وجود ألفاظ تحمل معنى الشيء ونقيضه، وألفوا فيها بعض الكتب، على اعتبار سعة القرآن ومعجزته، ومنهم من لم يعترف بهذه المسألة وأنكرها البتة، على اعتبار تنزيه القرآن من أي خلل أو نقص، وكل له حججه في ذلك.
والقسم الذي أقر الأضداد واعترف بوجودها في اللغة العربية: أبو عمرو بن العلاء، والخليل بن أحمد، ويونس بن حبيب، ومن ارتأى رأيهم مثل قطرب، وابن دريد، والثعالبي وابن فارس، وابن الأنباري، والثوري، والسجستاني، وأبو الطيب، والصغاني، وابن الدهان، وابن سيده، وغيرهم.
وعارضت جماعة أخرى الجماعة السابقة وأنكرت الأضداد، وعلى رأس هذه الجماعة الوحيدة من القدامي: ابن درستويه ومن تلاميذهم، والمستشرقون بعدهم منهم من أيد تأييداً مطلقاً ومنهم من منع منعاً مطلقاً، ومنهم من اعترف بها على ندرة، ومنهم من باهل على أنه لا لفظة واحدة ثبتت وجود الأضداد؛ فقد اتفق قطرب وابن الأنباري على قلتها مع أن لكلٍ منهما تأليفاً مستقلاً فيها.
وهذا الأمر اللغوي هو من سعة اللغة ومرونتها، وتعدد استعمالاتها لدى العرب قديماً؛ فقد كانت بعض القبائل تتحدث باللفظ لمعنى، وعند قبائل عربية يطلقونه على معنى آخر، وهو كذلك موجود عند لغة من اللغات السامية القديمة لمعنى وعند العرب لمعنى مختلف، والتفصيل في المسألة كثير وليس سياقه هنا.
ومن هذا الموضوع اخترنا اللفظ 'ظن'، كنموذج فقط للحديث عنه، وهو الذي تراه معظم العرب أنه للشك والتوهم، بينما أغلب وروده في القرآن الكريم هو لليقين.
والظن هو الوهم، وهو ضد للحقيقة واليقين. وهذا الأقل وروداً في القرآن الكريم. والظن كذلك العلم واليقين، كما ورد في القرآن الكريم، وهو الأكثر وروداً وذكراً في القرآن. ودرجته الضدية عندي من الدرجة الأولى الواضحة وليس من المتوهم فيها.
كيف نعرف أنه الأكثر وروداً في القرآن الكريم؟
نعرف ذلك من خلال السياق، ومن خلال القرائن والألفاظ والأدوات اللاحقة باللفظ في سياق الآيات.
قال ابن جرير الطبري- رحمه الله -: العرب قد تسمى اليقين ظناً والشك ظناً؛ نظير تسميتهم الظلمة سدفة والضياء سدفة، والمغيث صارخاً والمستغيث صارخاً، وما أشبه ذلك من الأسماء التي يسمى بها الشيء وضده، كما قال دريد بن الصمة:
فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج *** سراتهم في الفارسي المسرد
يعني بذلك تيقنوا بألفي مدجج
وقال عمير بن طارق:
بأن تغتزوا قومي وأقعد فيكم *** وأجعل مني الظن غيباً مُرَجَّماً
يعني واجعل مني اليقين غيباً مرجماً. قال: 'الشواهد في أشعار العرب وكلامها على أن الظن من معنى اليقين أكثر من أن تحصر، ومنه قوله –جل ثناؤه-: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: ٥٣] وبمثل الذي قلنا في ذلك جاء تفسير المفسرين.
ومنه قول الله تعالى: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ}البقرة: (46)، وكل 'ظن' في القرآن فهي علم. وكذلك قوله تعالى: {إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ}الحاقة: (20).. أ.ه(تفسير الطبري).
ومما جاء في الظن على أنه الوهم قوله تعالى: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئاً} النجم: (28)، وقوله تعالى: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ الْهُدَى} النجم: (23).
والظن السيئ: هو حمل الآخرين على غير ما اكتسبوا، وهو التشكيك بهم، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} الحجرات: (12). ومنه قوله -صلى الله عليه وسلم-: 'إياكم والظن فإن الظن أكذبُ الحديث'. (البخاري ومسلم).
ومما جاء في الظن على أنه اليقين قوله تعالى: {إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ} الحاقة: (20). قال ابن كثير في تفسيرها: أي قد كنت موقناً في الدنيا أن هذا اليوم كائن لا محالة، وفسرها ودعمها بقوله تعالى: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} البقرة: (46) أي يوقنون (تفسير بن كثير. جـ1/86)، وقوله تعالى: {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} البقرة: (249) ، وقوله تعالى: {وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ} القيامة: (28). والشواهد كثيرة على الحالتين، كما سنوردها لاحقاً.
ولست مع ابن جرير في قوله أن كل 'ظن' في القرآن الكريم أنها للعلم واليقين، وإنما بحسب الشواهد القرآنية ومن أقوال المفسرين فإن معظم 'ظن' في القرآن الكريم تكون لليقين، بعد ذلك تأتي 'ظن' التي للشك في المرتبة الثانية.
أما محمد نور الدين المنجد، من المحدثين، فيرى أن: 'الظن هنا ضد لليقين وإنما هو ترجيح بسبب كثرة الدلائل' (التضاد في القرآن الكريم: 72 مادة ظن).
وهذا التأويل الذي أوله محمد نور الدين المنجد حول مادة 'ظن' إنما ليكون له مبرراً ومخرجاً للقول في نهاية الحديث بعدم ضدية اللفظ.
و'الظن' الذي يكون عنده لليقين في العلم الذي لا يدرك بالحواس، كما نقل عن السيرافي (الاقتضاب: 109) وابن عطية البطليوسي، ومذهبه أن 'الظن' ليس ضداً لليقين وإنما هو درجة من الدرجات الواقعة بين يقينين متضادين؛ هما يقين إثبات ويقين نفي؛ إذا كثرة الدلائل لإثبات صارت واقترب من اليقين، كما استشهد في قوله تعالى: {إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ} فهو يؤوله على أن المؤمن كان ربما يشك أنه سيدخل الجنة بغير حساب، كما قال الله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} (البحر المحيط: 7/393 )، فمن هنا جاء رأيه في الظن أنه واقع في درجة من الدرجات الواقعة بين يقينين متضادين، وهو بذلك إنما يثني الشاهد ثنياً ليدعم رأيه بالتأويل؛ فالمؤمن من الآية لم يتصور أنه سيدخل الجنة بغير حساب، كما ذكر، بدليل أنه لم يذكر لازمة من لوازم دخول الجنة بغير حساب كالصبر مثلاً الذي يؤدي إلى دخول الجنة بغير حساب، كما في الشاهد الثاني عند محمد نور الدين.
بينما أشار الله - سبحانه - على لسان المؤمن بلازمة من لوازم الحساب، أو قرينة من القرائن وهي قوله تعالى: (أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ) ورأيه في الدرجة بين الدرجتين وفي الظن أنه يكون في العلم الذي لا يدرك بالحواس، كما قال هو وابن البطلوس والسيرافي وابن عطية. ورأيهم فيه نظر لورود شواهد للعلم الذي يدرك بالحواس، ومن هذه الشواهد قوله تعالى: {وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً} الكهف: (53) وهي النارُ شيءٌ محسوس أو مدرك بالحواس (رأى المجرمون النار)، ورأى هنا لليقين والعلم، وهي لازمة من لوازم الإدراك بالحس النظري، وعلموا يقيناً بأنها معدودة لهم بحكم وعيد الله بها لهم في الدنيا؛ إذا إنه لا توهم بعد ذلك بأنهم سيعدلون عنها إلى غيرها، وجاءت بالتقييد {وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً}، وفسرها الحديث: 'إن الكافر ليرى جهنم فيظن أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة' (تفسير ابن كثير: جـ3/91 ). وكذلك مذهبهم مردود بقوله تعالى: {يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً} الإسراء: (52). قال ابن كثير: 'تعلمون أنكم ما لبثتم في الدنيا إلا قليلاً، كما قال تعالى: {َيتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً} (تفسير ابن كثير: جـ3/91)، هنا يكون العلم لليقين عندما أحسوا وعد الله الذي كان يعدهم به في الدنيا.
... يتبع













































