اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ٢ تشرين الثاني ٢٠٢٦
أثار نظام الحقول في المرحلة الثانوية الأردنية نقاشًا واسعًا حول مدى قدرته على تطوير التعليم وتحقيق التوازن بين ميول الطلبة واحتياجات الجامعات وسوق العمل. فمع أن التخصص المبكر قد يبدو خطوة إيجابية من الناحية النظرية، إلا أن تطبيقه يثير مجموعة من الإشكاليات التربوية التي تستحق المراجعة.
أولًا: التخصص المبكر وتقييد الخيارات
يُطلب من الطالب اتخاذ قرار يتعلق بمستقبله الجامعي في عمر مبكر، بينما لا تزال ميوله وقدراته في طور التشكّل. وقد يكتشف لاحقًا أنه يرغب في دراسة تخصص مختلف، لكنه يصطدم بقيود الحقل الذي اختاره، فيصبح قرار مبكر سببًا في تضييق خياراته المستقبلية.
ثانيًا: تضييق فرص القبول الجامعي
إن ربط التخصصات الجامعية بالمواد التي يدرسها الطالب في حقل معين قد يحرمه من تخصصات يرغب فيها ويملك القدرة على النجاح فيها. فليس من المنطقي أن تتحول مادة لم يدرسها الطالب في الثانوية إلى حاجز نهائي أمام مستقبله، بدل إتاحة مواد استدراكية تساعده على استكمال متطلبات التخصص.
ثالثًا: غياب تكافؤ الفرص
لا تتوفر جميع الحقول والإمكانات التعليمية بالقدر نفسه في مختلف المدارس والمحافظات. وقد يجد الطالب نفسه مضطرًا إلى اختيار حقل لا يتناسب مع طموحه بسبب عدم توفره في مدرسته، مما يجعل الفرص التعليمية مرتبطة أحيانًا بمكان السكن والإمكانات المتاحة، لا بالقدرات وحدها.
رابعًا: إرباك الطلبة والأسر
إن التعديلات المتكررة على الأنظمة والخطط الدراسية تضع الطلبة وأسرهم أمام حالة من عدم الاستقرار والقلق بشأن المواد والامتحانات وشروط القبول الجامعي. فالنظام التعليمي يحتاج إلى رؤية واضحة ومستقرة، لا إلى تغييرات متلاحقة تربك الميدان التربوي.
خامسًا: إضعاف الثقافة العامة
قد يؤدي التركيز على المواد المرتبطة بالحقل والامتحانات الوزارية إلى تراجع اهتمام الطلبة والمعلمين بالمواد الأخرى، وكأن قيمتها تنتهي بمجرد خروجها من حسابات المعدل أو القبول الجامعي. بينما ينبغي أن تهدف المدرسة إلى بناء شخصية متكاملة تمتلك المعرفة والثقافة والقدرة على التفكير، لا مجرد إعداد طالب لاجتياز امتحان.
سادسًا: ضعف الإرشاد الأكاديمي والمهني
لا يمكن مطالبة الطالب باختيار مساره دون توفير إرشاد حقيقي يساعده على اكتشاف ميوله وقدراته والتعرف إلى التخصصات الجامعية ومتطلباتها وفرص العمل المرتبطة بها. فاختيار الحقل ينبغي أن يكون قرارًا واعيًا مبنيًا على المعرفة، لا مجرد تخمين أو استجابة لضغوط الأسرة والمجتمع.
سابعًا: عدم مواكبة التحولات المستقبلية
إن سوق العمل يتغير باستمرار، وتظهر تخصصات ومهن جديدة، خصوصًا مع التطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي. ولذلك فإن إعداد الطالب ضمن مسار ضيق قد يحد من قدرته على التكيف مع هذه التحولات، في حين يحتاج المستقبل إلى إنسان يمتلك قاعدة معرفية واسعة ومهارات متعددة وقدرة على التعلم المستمر.
الخلاصة
إن مشكلة نظام الحقول ليست في مبدأ التخصص بحد ذاته، بل في احتمال تحوله إلى قيد مبكر على مستقبل الطلبة، وفي مدى توفر العدالة والمرونة والإمكانات اللازمة لتطبيقه.
نحن بحاجة إلى نظام تعليمي يتيح للطالب تغيير مساره، ويوفر فرصًا متكافئة لجميع الطلبة، ويحقق التكامل بين التعليم المدرسي والجامعي، ويضمن استقرار السياسات التعليمية، مع تعزيز الإرشاد الأكاديمي والمحافظة على الثقافة العامة.
لسنا ضد التخصص، بل ضد التقييد. ولسنا ضد تطوير التعليم، بل ضد أن يصبح التطوير سببًا في إغلاق أبواب المستقبل أمام الطلبة.
فمهمة التعليم ليست تصنيف الطلبة وتوزيعهم على حقول مغلقة، وإنما اكتشاف قدراتهم وتنميتها، ومنحهم المعرفة والفرص التي تمكنهم من اختيار مستقبلهم وصناعته.












































