اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٤ تشرين الثاني ٢٠٢٦
د. زينب الخضيري
حين يصدر كتاب جديد لأديب، وحين يكرّم في مهرجان ثقافي، وعندما نصفق له في أمسية شعرية، وحين يتصدر اسمه وصورته الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي، هل هذا كافٍ له؟ بمعنى أكثر وضوحاً: هل لديه ضمانات مادية تساعدة على الاستمرار في إبداعه؟ وبعد سنوات من الإبداع والتألق ما الذي ينبغي أن نقدمه للأديب بعد سنوات من إنتاجه أو عند انطفائع؟ والسؤال الذي ينبغي أن يشغل المؤسسات الثقافية اليوم هو: ماذا نفعل من أجل الأديب حين يتقدم به العمر، أو يمرض، أو تتراجع قدرته على العمل، أو يجد نفسه أمام أزمة مالية لا يستطيع تجاوزها؟
إن حماية الأديب ليست مسألة عاطفية أو مبادرة خيرية موسمية، هي قضية ثقافية واجتماعية تتصل بمكانة المعرفة في المجتمع، وبمدى تقديرنا لمن يساهمون في تشكيل الوعي وحفظ الذاكرة وصناعة المعنى. حيث يعاني كثير من الأدباء والشعراء من طبيعة مهنية غير مستقرة، فالعائد من الكتابة والنشر لا يوفر بالضرورة دخلاً منتظماً، وحقوق التأليف قد تتفاوت، كما أن المشاركة في الفعاليات الثقافية لا تعني بالضرورة وجود ضمان مالي أو تأمين صحي أو معاش تقاعدي.
وهنا تظهر المفارقة: قد يمنح الأديب المجتمع عمره في الكتابة، لكنه لا يجد بالضرورة ما يضمن له حياة كريمة في سنواته اللاحقة، هذا السؤال تجيب عنه بعض الدول، ففي ألمانيا تأسست منظومة التأمين الاجتماعي للفنانين والكتّاب عام 1983، لتوفير الحماية الصحية والتقاعدية والرعاية طويلة الأجل للمبدعين المستقلين المستوفين للشروط. ويقوم تمويلها على مساهمات المبدعين والجهات المستفيدة من أعمالهم والدعم الحكومي، بحيث لا يتحمل المبدع وحده كامل أعباء التأمين. أما فرنسا، فتطبق نظاماً خاصاً للضمان الاجتماعي للفنانين والمؤلفين، يشمل الكتّاب وأصحاب الأعمال الإبداعية، ويوفر الحماية الصحية وبعض استحقاقات المرض والعجز والتقاعد وفق شروط محددة، حيث تكشف هذه التجارب أن حماية المبدع ليست ترفاً، حيث يمكن أن تتحول إلى منظومة مؤسسية مستدامة، لكن السؤال: ما الذي يمكن أن نؤسسه في ضوء هذه التجارب؟
هناك العديد من الاقتراحات، ولعل أبسطها إنشاء 'صندوق حماية الأديب والمبدع'، يكون مظلة تكافلية واستثمارية مستقلة، ينضم إليها الروائيون والشعراء والكتّاب والنقاد، وتدعمها وزارة الثقافة ودور النشر والجهات الراعية، حيث لا ينبغي أن يقوم الصندوق على التبرعات وحدها، ولكن على مصادر تمويل متنوعة، منها: اشتراكات سنوية مرنة تتناسب مع إمكانات الأعضاء، مساهمات المؤسسات الثقافية ودور النشر من عوائد الفعاليات والأنشطة، استثمارات آمنة ومستدامة تخصص عوائدها لبرامج الحماية، تخصيص جزء من الرعايات الثقافية لدعم الصندوق، إنشاء برنامج ادخاري تقاعدي اختياري يساعد الأديب على بناء احتياطي مالي لمستقبله.. على أن يقدم الصندوق خدمات واضحة تشمل المساعدات الطارئة عند المرض أو التعثر المالي، والمساهمة في التأمين الصحي، وبرامج التقاعد، ودعم أسر الأدباء في الظروف الاستثنائية، ومن المهم أن يخضع الصندوق لحوكمة مالية مستقلة، ومعايير معلنة للاستحقاق، وإدارة استثمارية متخصصة، حتى لا يتحول إلى مبادرة موسمية أو باب للمجاملات.
إن حماية الأديب هي في جوهرها حماية للثقافة نفسها، فالمجتمعات التي تستثمر في مباني الثقافة ومهرجاناتها وجوائزها، ينبغي أن تستثمر أيضاً في الإنسان الذي يصنع محتواها، ولعلنا بحاجة إلى الانتقال من سؤال: كم أديباً كرّمنا هذا العام؟ إلى سؤال أكثر عمقاً: كم أديباً ضمنا له حياة كريمة؟ فليس من الإنصاف أن نحتفي بمنجز الأديب وهو في قمة عطائه، ثم نتركه وحيداً عندما يحتاج إلى المجتمع الذي أفنى عمره في إثرائه.










































