اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ٣١ تشرين الأول ٢٠٢٦
بالرغم من أن مجرَّد نطق لفظ “الخوف” يثير قلقاً ومخاوف جمَّة، بيد أنّه في حقيقة الأمر، كان ولا يزال الورقة الرابحة لمجابهة الحياة بضراوة وشجاعة منقطعة النظير. وقد لا يتوقَّع البعض أنَّ العلاقة بين الخوف وتحقيق أي مكسب في الحياة طردية. فعلى سبيل المثال، كلَّما خاف الطَّالب من نتيجة الامتحان ذاكر بجدّ، وأيضًا كلَّما زادت مخاوف رجل الأعمال من تقلُّبات السوق تحوَّط أكثر وفكَّر في وسائل أخرى لجني الأرباح. وتلك الاستراتيجية ليست غريزية، بل بدأت في مراحل الطفولة في نفس الوقت الذي تكوَّن قدر من الإدراك لدى الطفل وحاول أنّ يتلمَّس سبيله في الحياة بمفرده. فالآباء يعلِّمون الطفل الخوف من السقوط أو اللعب بأشياء خطرة في المراحل المبكِّرة من العمر، إلى أن يحين الوقت قُبيل الذهاب للمدرسة والاحتكاك بالنموذج المصغِّر للحياة المستقبلية، فيبدأ الآباء برواية قصص عن الأشرار والأخيار؛ لغرس الخوف الإيجابي في نفوس أطفالهم، بغرض شدّ أزرهم وغرس الصلابة والقوَّة فيهم.
نزولًا إلى أرض واقع عالم اليوم المتسارع الخطى، استحالت جميع المخاوف إلى رعب، وخاصة مع انتشار تقنية الذَّكاء الاصطناعي وطرح أدواته مجَّانًا على شبكة الإنترنت تحت ستار أن الشركات المطوِّرة لهذه التكنولوجيا “لا تبغي الربح”. ودون أدنى شك، لن يصدِّق تلك الشعارات طفل صغير، وخاصة أنها صادرة من شركات مصدر أرباحها من نشر إدمان إلكتروني بين جميع أطياف البشر، مع استهداف الأطفال والشباب بصفة خاصة، لإدمان الاستخدام. أي أنه تم تحويل الشكل المعتاد للمخدِّرات المسببة للإدمان إلى مخدِّرات إلكترونية، التي تحوَّلت بدورها إلى هوس بأدوات الذَّكاء الاصطناعي التي تتزاحم في شبكة الإنترنت كي تؤمِّن لها مكانًا في عقول المستخدمين.
وبعد الاطمئنان للوصول إلى مرحلة إدمان تلك الأدوات، التي لا تزال متاحة للجميع على شبكات الإنترنت، حدث ما لم يكن في الحسبان؛ فقد بدأت تلك الشركات في بادئ الأمر تحدّ من عدد مرات استخدام الأدوات المجانية في اليوم الواحد، وعلى الراغب في خدمة متواصلة وجوب دفع اشتراك مالي، ومقدار المبلغ المدفوع يحدد جودة الخدمة المقدَّمة. أضف إلى هذا كلّه، تطوير نماذج خاصة بالشركات ليس فقط لتحسين جودة العمل وسرعته، ولكن أيضًا للقيام بمهام العديد من الموظفين؛ بدءًا من العاملين في المهمَّات الرتيبة كالرد على المراسلات الإلكترونية وتنظيم المواعيد، وصولًا للأعمال الفنية الدقيقة وتقديم الاستشارات. وكل هذا يترجمه أصحاب الأعمال على شكل توفير في النفقات وحصد المزيد من الأرباح.
وفي غمار سعادة رجال الأعمال بعملاء الذَّكاء الاصطناعي، وعويل البشر، خصوصاً فئة الشباب، من تآكل فرص العمل المتاحة لهم ومع تزايد معدَّلات البطالة، نسف هذا المشهد بأكمله التصريح الذي يحذِّر فيه الخبراء من تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، وتوضيح أنها تشكِّل خطراً على البشرية، وذلك بالتزامن مع التصريحات المتتالية بخروج العديد من عملاء الذكاء الاصطناعي AI Agents عن السيطرة، وإيضاح أنها أصبحت تهاجم أصحاب الأعمال الذين دفعوا أموالًا طائلة لامتلاك خدماتهم، سواء باختراق أنظمة تلك الشركات، أو بتهديدهم بشكل مباشر بما تعلمه من أدق المعلومات عن أسرارهم الشخصية والمالية، علمًا أنه تم التحذير من تفاقم سطوة الرقميات منذ أكثر من خمس سنوات مع رسم السيناريو نفسه، حتى قبل إطلاق أدوات الذكاء الاصطناعي.
وفي أعقاب التصريحات المتتالية المحذِّرة من مغبَّة استخدام تلك الأدوات، خرج على العامة “داريو أمودي”، مالك شركة “أنثروبيك” لخدمات الذكاء الاصطناعي، محذِّرًا من خطرها، ناصحًا القائمين عليها بالإبطاء من سرعة تطويرها؛ لأنها ستفضي إلى إحداث أضرار جسيمة للبشر غير المستعدِّين بعد لاستقبالها، ثم تدمير البشرية كما نعرفها. وفي وسط حالة من الهرج والمرج، وتصاعد مخاوف جمَّة من تلك التكنولوجيا، وعقد مؤتمرات عاجلة لمناقشة ما يمكن فعله لتفادي الوقوع في المحظور، دوَّت مفاجأة كُبرى؛ فقد لمع نجم “داريو أمودي” وأصبح اسمه متواتراً على كلّ الصعد، مثل إيلون ماسك وسام ألتمان. أضف إلى هذا، وبسبب هذا التصريح العنتري، شهدت البورصات العالمية تصاعداً غير مسبوق لقيمة أسهم شركته، نظرًا للإقبال المنقطع النظير على الخدمات الذكية التي تقدِّمها؛ وهذا لكونها الجهة الرقمية الوحيدة التي أثبتت أمانتها وصدقها، ولم تخش من التصريح بالحقائق، حتى ولو كان ذلك يفضي إلى تكبُّدها الخسائر.
ولتحويل خوف الشركة على العملاء وتقديم بدائل تجارية آمنة لأدوات الذَّكاء الاصطناعي، طرحت الشركة بعد نحو أسبوع واحد أداة جديدة “Opus 5.5” التي تتميَّز بسرعة ودقة أكبر من نموذج “كلود”. ومن يدقق فيما حدث، يلاحظ أن التحذير الذي أطلقه “داريو أمودي” لم يكن سوى إعلان لمنتجه الجديد، ومحاولة منه لحفر اسمه بجانب أباطرة الذَّكاء الاصطناعي؛ فالخدمات المجَّانية المصحوبة بكلام معسول، التي تظهر للعامة أنها محاولة للحماية، يتأكَّد صدقها فقط إذا تكبَّد هذا الشخص تكلفة ما يحذِّر منه، وما سوى ذلك يعدّ خداعاً مقنَّعاً، الغرض منه تحقيق المزيد من المكاسب. فهذا التحذير حيلة قديمة استُخدمت من قبل عند الترويج لبرنامج جديد مكافح للفيروسات التي تصيب أجهزة الكمبيوتر واللابتوب. وكالعادة، لا ولن يتعلَّم البشر من الخبرات السَّابقة إلَّا بعد فوات الأوان.
لقد أثبت أباطرة التكنولوجيا قدرتهم على التلاعب بمستقبل حكومات ودول بأكملها، بينما يكدِّسون الأموال إلى أن بلغت ثرواتهم العديد من تريليونات الدولارات، وأصبحت ثروة الفرد الواحد منهم تساوي ميزانيات عدَّة دول مجتمعة. ولمس العالم عمليًا خطر قوَّتهم الضاربة القادرة على تغيير مسار مستقبل أمم بعد تصريح “داريو أمودي” الذي أدى إلى انهيار أسهم شركة سامسونج الكورية الجنوبية العملاقة في البورصات العالمية، بعد تربُّعها على عرش صناعة الرقائق لسنوات طويلة؛ فمجرَّد تصريح واحد فقط، أفضى إلى تدمير أحد أكبر مصنِّعي التكنولوجيا. ولم يختلف الأمر كثيراً في الحرب الروسية الأوكرانية في جميع مراحلها، بدءاً من تزويد أوكرانيا بخدمة الإنترنت مجانًا من خلال تقنية الستالايت، وصولًا إلى حجب وتعطيل خدمات الإنترنت العسكرية للجنود في المعركة، ما أدى إلى تكبُّد أوكرانيا خسائر فادحة، سواء في الأرواح أو مادية.
ما سبق إيضاحه يبرز أن مستقبل البشرية صار في أيدي صنَّاع القرار الجدد، والمقصود بهم هنا أباطرة الذكاء الاصطناعي، حتى ولو ظهروا للوهلة الأولى يتلقُّون الأوامر من جهة أو مسؤول بعينه؛ فالقرار في نهاية الأمر في أيديهم؛ لأنهم مالكو التكنولوجيا التي تضع أي قرار حيِّز التنفيذ. وهذا يعني أنّ أباطرة الذكاء الاصطناعي صاروا السلطة التي تفوق الحكومات وصنَّاع القرار؛ فبإماكنهم بضغطة زر واحدة تعطيل ما لا يتَّفق مع أهوائهم من قرارات، وسيكون الرّد بدم بارد: “خطأ فنِّي”.
ومن يتمعَّن في الوضع يكتشف أن أباطرة الذَّكاء الاصطناعي، في المستقبل القريب، هم حكَّام العالم المخطط له أنّ يكون موحدًا. وذلك ليس لخدمة البشرية؛ بل لخدمة فئة بعينها، تمامًا كما يفعل أباطرة الذكاء الاصطناعي الذين كوَّنوا ثرواتهم بتضخيم مخاوف الشعوب، مع تقويض أي محاولة لاستغلال هذا الخوف في الابتكار والتطوير، حتى يضمن الأباطرة عدم ظهور منافس آخر على السَّاحة يقتصّ من أرباحهم.












































