اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٦ تموز ٢٠٢٦
م. سعد بن إبراهيم المعجل
لم يعد الربع الخالي مجرد صورة ذهنية لصحراء ممتدة قليلة السكان وعسيرة العبور؛ بل يمكن النظر إليه بوصفه أرشيفاً جيولوجياً ومناخياً للماضي، ومنطقة ذات ثروات هيدروكربونية مثبتة، وبيئة طبيعية فريدة، وممراً برياً قابلاً للتحول إلى حلقة وصل تربط الخليج العربي ببحر العرب والمحيط الهندي. وتمتد أهمية هذا التحول من واقع علمي واضح؛ فالربع الخالي هو أكبر بحر رملي متصل في العالم تقريباً بحسب 'واس'، ويمتد عبر السعودية واليمن وعُمان والإمارات، ومساحته تقارب 640 ألف كيلومتر مربع تبعاً لتعريف نطاق الحوض الرملي.
لقد ارتبط الربع الخالي في الوعي العام بالعزلة والجفاف والفراغ السكاني؛ حيث الحرارة الشديدة وندرة المياه والكثبان الرملية الهائلة، التي تجعل الحركة والاستيطان الدائم تحدياً كبيراً، لكن القراءة الإستراتيجية الحديثة للصحراء لا تقف عند صعوبة المكان بل تتعداها إلى ما الذي يمكن أن يمنحه لي هذا المكان؟ إن اتساع الربع الخالي ووقوعه بين المملكة وعُمان والإمارات واليمن، وقربه غير المباشر من موانئ بحر العرب، ووجود طريق بري سعودي-عُماني مباشر، كل ذلك يفتح إمكانية تحويله من حاجز رملي إلى مجال ربط اقتصادي.
فأطروحتي في هذا المقال هي أن الربع الخالي لا ينبغي أن يُعامل كمنطقة هامشية، بل كـرأسمال مكاني قادر على توليد قيمة من النقل والطاقة والبيانات الجيولوجية والمياه المدارة بحذر والسياحة البيئية، بشرط أن تُبنى التنمية فيه على العلم والحوكمة العابرة للحدود. والنموذج الصيني يقدم درساً عملياً جديراً بالتأمل؛ ففي صحراء كوبوتشي بمنغوليا الداخلية لم تتعامل الصين مع الصحراء كمساحة ميتة، بل استخدمتها لبناء مشاريع ضخمة للطاقة الشمسية ضمن ما تسميه 'ناسا' الجدار الشمسي العظيم، وهو مشروع مخطط له أن يمتد مئات الكيلومترات وبقدرة قد تصل إلى 100 غيغاواط عند اكتماله عام 2030، بحسب موقع مجلس الدولة الصيني، ولم يكن الأثر كهربائياً فقط، حيث نمت شجيرات ونباتات ساعدت على تثبيت الرمال وخفض التبخر وكسر سرعة الرياح.
وتتجه المملكة - ضمن استراتيجيتها الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية - للتحول إلى مركز لوجستي عالمي، وتؤكد وزارة النقل والخدمات اللوجستية أن الاستراتيجية تهدف إلى تكامل أنماط النقل والخدمات اللوجستية، وتحسين الترابط المحلي والإقليمي والدولي، وخفض الأثر البيئي للقطاع، ورفع مشاركة القطاع الخاص . ومن هذه الزاوية يوفر الربع الخالي فرصة خاصة؛ فهو الجسر الطبيعي الأقل ازدحاماً الذي يربط المملكة بعُمان واليمن وموانئهما على بحر العرب، ويعد الطريق السعودي-العُماني الحالي الذي افتتح عام 2021، ويمتد 725 كيلومتراً، منها 564 كيلومتراً داخل الجانب السعودي بحسب 'واس' و161 كيلومتراً داخل عُمان بحسب وكالة الأنباء العمانية، نواة هذا الجسر، لكنه لا يكفي وحده لصناعة بوابة إمداد كبرى، والمطلوب تحويله إلى ممر اقتصادي متكامل يربط مناطق الإنتاج السعودية، والطاقة، والمعادن، والصناعات التحويلية، بالمنافذ العُمانية واليمنية مثل الدقم وصلالة ونشطون والمكلا.
كما أن وجود حقل الشيبة النفطي في عمق الربع الخالي يثبت أن الصحراء ليست فراغاً اقتصادياً، وتذكر أرامكو أن المشروع شمل بناء طريق بطول 386 كيلومتراً، ومد خط أنابيب بطول 645 كيلومتراً، وحفر 145 بئراً، ونقل 13 مليون متر مكعب من الرمال. فالشيبة والطريق البري إنجاز هندسي مفاده أن الربع الخالي قابل للتطوير عندما تجتمع المعرفة الجيولوجية والتقنية والتمويل والبنية التحتية وإدارة المخاطر. وبالتالي يمكن تطبيق المنطق نفسه على الطاقة الشمسية، ومراكز الخدمات اللوجستية، والاستكشاف المعدني، ومشاريع البيانات والاستشعار، شريطة مراعاة القيود البيئية والمائية.
إذاً، الرؤية هي أن يربط الربع الخالي البر بالبحر؛ أي أن يتحول إلى ممر بري- بحري يختصر المسافة إلى المحيط الهندي، ويوفر مسارات بديلة عند الاضطرابات في المضائق أو الممرات البحرية، ويمنح الصادرات السعودية منفذاً إضافياً عبر بحر العرب. فالهدف ليس بناء مدن ضخمة وسط الرمال، بل بناء 'حلقات وصل خفيفة' تعمل كجزر تشغيلية مثل محطة كل مسافة محسوبة ومرتبطة رقمياً ومزودة بالطاقة الشمسية ومحمية من أخطار العواصف الرملية، وتخدم التجارة العابرة بين المملكة وعُمان واليمن وموانئ بحر العرب. كما أن الربع الخالي لديه تجربة هيدروكربونية ناجحة في الشيبة، وهو أيضاً ملائم نظرياً لمشاريع طاقة شمسية واسعة إذا عولجت تحديات الغبار والحرارة والمياه المستخدمة في التنظيف. وتؤكد وزارة الطاقة السعودية أن البرنامج الوطني للطاقة المتجددة جزء من رؤية 2030 ويهدف إلى تعظيم حصة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة مع الوفاء بالالتزامات المرتبطة بالانبعاثات.
وهنا أتمنى أن يتم إطلاق 'إستراتيجية الربع الخالي 2050' بوصفها إستراتيجية مكانية مشتركة بين النقل والطاقة والبيئة والسياحة والتعدين والبحث العلمي، والتخطيط المكاني السيادي عبر إعداد مخطط شامل للربع الخالي يحدد بدقة أين يجوز الاستثمار؟ وأين تمنع الأنشطة؟ وأين تمر الممرات؟ وأين تقام المحطات والخدمات؟ وينبغي أن يكون هذا المخطط قائماً على بيانات جيولوجية وبيئية ومائية لا على اعتبارات عقارية قصيرة الأجل. وأيضاً أتمنى تطوير الطريق السعودي-العُماني إلى ممر اقتصادي ذكي عبر مناطق خدمات ولوجستيات وجمارك رقمية ومراكز طوارئ، مع دراسة جدوى إنشاء خط للسكك الحديدية، وبناء شراكات إستراتيجية مع الموانئ العمانية واليمنية 'الدقم وصلالة – نشطون والمكلا' لربط الشحن السعودي ببحر العرب، خاصة للسلع التي تستفيد من الوصول إلى آسيا وشرق أفريقيا دون المرور بممرات أكثر ازدحاماً أو حساسية، وتحفيز الاستثمار المشروط عبر شراكات بين القطاعين العام والخاص، لكن وفق مؤشرات أداء تشمل تقليل الانبعاثات، وتوطين الوظائف، وحماية المياه، واستخدام الطاقة المتجددة، وسلامة النقل.
أخيراً، الربع الخالي ليس فراغاً هامشياً؛ بل مساحة كامنة بين الجغرافيا والاقتصاد والعلم، تحت رماله سجل للمناخ القديم، وأنظمة مياه معقدة، وموارد طاقة مثبتة، وموائل نادرة، وموقع قادر على ربط الخليج ببحر العرب، غير أن قيمته الحقيقية لن تتحقق بمنطق 'غزو الصحراء'، بل بمنطق 'فهم الصحراء'.










































