اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٨ تشرين الثاني ٢٠٢٦
د. زياد بن عبدالعزيز آل الشيخ
تبدو القواعد التقليدية للإقراض محايدة تماما. فالبنوك تبحث عن أصول للرهن وتدفقات نقدية مستقرة، وسجل تشغيل يمكن قياسه. إذا فعلت ذلك فهي ظاهريا لا تنحاز لأحد، لكن دون علمها ترسخ الاتجاه السائد اقتصاديا.
المشكلة أن الشروط التي تجعل الشركة جديرة بالائتمان تعتمد غالبا نتائج نجاحها في اقتصاد أمس. أما الشركات التي تحاول بناء اقتصاد للمستقبل فلا تملك هذه المقومات. قد تمتلك معرفة تقنية واعدة، لكن المعرفة المستقبلية لا تصلح ضمانا مصرفيا.
هذا ما ناقشته دراسة حديثة لفيليب أغيون وزملائه بعنوان 'الضياع في مرحلة الانتقال: العوائق المالية أمام التقنيات الجديدة'. تنطلق الدراسة من ملاحظة مهمة: الشركات القائمة راكمت خبرتها واستثماراتها داخل التقنيات الناضجة، بينما تتجه الشركات الأصغر سنا بدرجة أكبر إلى التقنيات الناشئة. وحين ينكمش الائتمان، لا يتراجع الاستثمار بالتساوي؛ بل تتلقى الشركات الجديدة الضربة الأشد، فيتباطأ انتقال الاقتصاد من منظومة تقنية قديمة إلى أخرى جديدة.
درس الباحثون الابتكارات الخضراء في ألمانيا بعد الأزمة المالية العالمية. ووجدوا أن تسجيل براءات الاختراع المرتبطة بخفض الانبعاثات أصابه الركود، وقدّر نموذجهم أن تعثّر دخول الشركات الشابة إلى التقنيات الخضراء يفسّر نحو خُمس هذا التباطؤ. وهذه النسبة ليست حقيقة نهائية؛ فهي تعتمد على تقديرات نموذجية، كما أن براءات الاختراع لا تعكس التحول الصناعي. لكن الآلية التي كشفتها الدراسة جديرة بالانتباه: قد يكون النظام المالي قادرا على تقييم كل قرض منفرد، لكنه يصبح محافظا في تشكيل مستقبل الاقتصاد كله.
لا يعني ذلك أن على الدولة تمويل كل شركة ناشئة أو كل مشروع يرفع راية التقنية الجديدة. فالدعم غير المنضبط قد ينشئ شركات تعيش على الائتمان المدعوم، ويحوّل القطاعات الواعدة إلى ملاذ للمضاربة. كما أن توفير سيولة عامة لجميع الشركات قد يعزز الانحياز القائم؛ لأن المؤسسات الكبيرة أقدر على الوصول إليها واستيعابها.
ما نحتاج إليه هو 'تمويل الانتقال': أدوات تربط التمويل بإنجاز مراحل تقنية وتجارية قابلة للتحقق، وتتقاسم مخاطر البدايات من دون حماية الشركات إلى ما لا نهاية. ويشمل ذلك المحافظة على تمويل رأس المال الجريء والنمو خلال فترات الانكماش، والسماح بفشل الشركات مع إعادة تدوير معارفها وكفاءاتها، والتمييز بين تمويل شركة قائمة لشراء معدات حديثة وتمويل شركة جديدة تستكشف مسارا تقنيا مختلفا.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في الاقتصادات التي تستثمر بكثافة في الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحيوية والطاقة النظيفة والصناعة المتقدمة. تستطيع الشركات الكبرى تسريع تبنّي التقنية، لكنها قد تظل مقيدة بأصولها وأسواقها ونماذج أعمالها القائمة. أما الشركات الجديدة فتؤدي وظيفة مختلفة: اكتشاف البدائل التي لم تتحول بعد إلى أصول قابلة للرهن.
لذلك لا يكفي أن نسأل: كم خصّصنا للابتكار؟ السؤال الأهم هو: أي نوع من الشركات يستطيع الوصول إلى هذا التمويل، وأي مستقبل تقني تعززه شروطه؟ فقد ينجح النظام المالي في حماية أموال اليوم، لكنه، إذا لم ينتبه إلى انحيازه الخفي، قد يحرم الاقتصاد من شركات المستقبل.










































