اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢ تشرين الثاني ٢٠٢٦
د. فايز بن عبدالله الشهري
تتجه الولايات المتحدة يوم غد (3 نوفمبر 2026) إلى انتخابات التجديد النصفي لكامل مجلس النواب ونحو ثلث مجلس الشيوخ. وأمام الناخبين هنا، رئيسٌ عاد إلى البيت الأبيض بشعار استعادة القوة الأميركية، لكنهم يواجهونه بسؤال كبير عن كلفة فاتورة هذه القوة في حياته اليومية. فلم تعد المعركة على مقاعد الكونغرس منفصلة عن أسعار الوقود والغذاء، أو عن تداعيات الحرب مع إيران واحتمالات استئناف التصعيد العسكري.
وتكشف الاستطلاعات اتساع المسافة بين خطاب الإدارة ومزاج الناخبين. فقد بلغ تقدم الديمقراطيين على الجمهوريين 8.2 نقاط في متوسط 'ريل كلير بولينغ' للانتخاب العام لمجلس النواب. والأشد دلالة أن 71% من المستطلعين قالوا إن البنزين يزاحم قدرتهم الشرائية. ومع أن هذه الأرقام لا تكفي للجزم بمآلات السباق الانتخابي، إلّا أنها تضع الحزب الجمهوري أمام اختبار صعب لاستعادة ثقة الناخبين، ولا سيما المستقلين منهم.
ويسعى الجمهوريون إلى عبور هذا المناخ الانتخابي الصعب بتكثيف حملاتهم وحشد أنصارهم، معتمدين على قدرة ترمب على تعبئة قاعدته الشعبية. ولهذا نظم الرئيس منذ مطلع أكتوبر 25 تجمعًا انتخابيًا في 19 ولاية، وطرح وعدًا بصرف 5000 دولار لكل مواطن أميركي بالغ إذا احتفظ الجمهوريون بالسيطرة على الكونغرس، رغم ما يتطلبه تنفيذ هذا التعهد من تمويل ضخم وموافقات تشريعية لم تتضح معالمها بعد. لكن نجاح ترمب في حشد أنصاره لا يضمن استمالة الناخبين المستقلين، الذين باتت اهتماماتهم تتجه بصورة متزايدة إلى ارتفاع تكاليف المعيشة وتداعيات الحرب.
وتظهر حساسية السباق في مجلس الشيوخ، حيث لم تعد المنافسة مقتصرة على الولايات المعروفة بتأرجحها. ففي ميشيغان سجل الديمقراطي عبدالرحمن السيد 49% مقابل 42% للجمهوري مايك روجرز في استطلاع لشبكة 'سي إن إن'؛ وإذا انتُخب فسيكون أول مسلم يدخل مجلس الشيوخ الأميركي. وفي تكساس يحاول الديموقراطي جيمس تالاريكو اختراق قلعة جمهورية لم تهتز منذ ثلاثة عقود، مستفيدًا من الجدل الذي يلاحق منافسه كين باكستون، على خلفية اتهامات سابقة بالفساد واستغلال السلطة، وقضايا مالية وفضائح شخصية. وتخوض الجمهورية سوزان كولينز في ماين معركة دفاع شرسة ضد الديمقراطي تروي جاكسون. وتوحي هذه السباقات أن الخريطة التقليدية باتت أقل حصانة أمام تبدل الأولويات الوطنية.
ومما يبدو فإن الاقتصاد لم يعد وحده وراء هذا التحول. فقد أظهر استطلاع 'غالوب' أن 47% من الناخبين المسجلين يعدّون الوضع في إيران بالغ الأهمية لقرارهم الانتخابي. وهكذا تحولت الحرب من ملف تتداوله مؤسسات الأمن القومي ودوائر صنع القرار إلى سؤال يمس تكلفة الوقود، والإنفاق العسكري، ومصداقية الوعود بإنهاء الانخراط الأميركي في الصراعات. وفوق ذلك، تتداخل هذه الاعتبارات مع ملفات الرعاية الصحية والهجرة والانقسام الحزبي.
أما إسرائيل، فتراقب الوضع بقلق واضح، ولا سيما مع اتساع الجدل بشأن حرب غزة وحدود المساعدات العسكرية. ويحمل إعلان 'أيباك' وقف تبرعاتها المباشرة للمرشحين والتخلي عن تأييدهم الرسمي دلالات سياسية لافتة، لكنه لا يعني انسحابها من المشهد الانتخابي؛ إذ ستواصل ممارسة نفوذها ودعم المرشحين عبر لجنة مستقلة للإنفاق الانتخابي. ويعكس هذا التحول اتساع الجدل داخل المؤسسات السياسية الأميركية بشأن طبيعة الدعم المقدم لإسرائيل، واحتمال خضوع السياسات المرتبطة بها لمزيد من الرقابة والمساءلة، دون أن يعني ذلك بالضرورة تغييرًا جذريًا في التحالف الاستراتيجي بين البلدين.
وفي الخليج العربي، تكتسب الانتخابات النصفية أهمية استراتيجية تتجاوز نتائجها الداخلية، لما قد تفرضه موازين القوى الجديدة في الكونغرس من تحولات في السياسات الأميركية تجاه المنطقة، ولا سيما في ملفات الدفاع وأمن الطاقة والشراكات التقنية والاقتصادية. ومن هنا، تتابع العواصم الخليجية هذا الاستحقاق بحسابات دقيقة، توازن بين تعزيز شراكاتها مع واشنطن، وتحصين أمنها الإقليمي، والحفاظ على استقرار الممرات البحرية وإمدادات الطاقة.
وهكذا، تتجاوز الانتخابات النصفية تنافس الحزبين إلى اختبار قدرة واشنطن على التوفيق بين أعباء الداخل وطموحات النفوذ في الخارج؛ وتطرح السؤال الأهم: من يدفع فاتورة القوة الأميركية؟
لا تَسقطُ القلاع دومًا بفعل قوة خارجية؛ فقد تطيح بها شقوقها الداخلية.










































