اخبار اليمن
موقع كل يوم -شبكة الأمة برس
نشر بتاريخ: ٣١ كانون الثاني ٢٠٢٦
في جنوب غربي بلغاريا، وعلى تخوم جبال رودوب، تحتفظ قرية ريبنوفو (Ribnovo) الصغيرة المسلمة بواحد من أكثر تقاليد الزواج فرادة في أوروبا.
التقليد الفريد يُعرف محليا باسم 'كلينا'، حيث يُطلى وجه العروس باللون الأبيض وتُزيَّن ملامحها بالخرز والترتر الملوّن، في طقس يُقال إن جذوره تمتد إلى آلاف السنين.
القرية التابعة لقضاء غوتسه دلتشيف، يقطنها نحو 3 آلاف و500 نسمة، وجميع سكانها من المسلمين من أصل سلافي اعتنقوا الإسلام في فترة الحكم العثماني في الفترة بين أواخر القرن الـ14 وحتى العام 1878، علما أن القرية لم تصبح مسلمة خالصة إلا في القرون الـ16والـ18 ميلادية.
ورغم بساطة المكان، تتحول ريبنوفو، خاصة في الشتاء، إلى مقصد للباحثين عن التراث الحي، إذ تستقطب أعراسُها التقليدية زوارا من داخل بلغاريا وخارجها، لتبدو كمتحف مفتوح في أيام الاحتفال التي تمتد من الجمعة إلى الأحد من كل أسبوع.
تبدأ طقوس الزفاف مساء الجمعة بحفل الحنّاء، وتستمر بلا انقطاع حتى ساعات متأخرة من يوم الأحد، ضمن برنامج احتفالي دقيق انتقل شفهيا من جيل إلى جيل، ولم تفلح الحداثة أو الهجرة في طمسه أو اختصاره.
** أقدم من التاريخ المكتوب
قدريّة ماشيفا، وهي منسّقة الترويج الثقافي في بلدية القرية، تقول إن طقوس الزفاف في ريبنوفو لا تشبه أي تقليد آخر معروف، مضيفة أن بعض الدراسات الأكاديمية تربطها بفترات وثنية سبقت المسيحية والإسلام في المنطقة.
وأشارت في حديث للأناضول، إلى تشابه لافت بين وجه العروس المطلي بالأبيض في ريبنوفو، وقناع زفاف نسائي يعود إلى حضارة الميسينيين في اليونان القديمة يؤرخ إلى الألفية الثانية قبل الميلاد.
ولفتت ماشيفا إلى أن هذا التشابه يعزز الفرضية القائلة إن 'كلينا' تقليد موغل في القدم، بقي حيّا في هذه القرية وحدها.
وتضيف: 'نحن لا نزعم امتلاك الحقيقة المطلقة، لكن المؤكد أن هذا التقليد حافظ على جوهره عبر قرون طويلة، وهو اليوم لا يُمارس بهذا الشكل الكامل إلا في ريبنوفو'.
** 'كلينا'.. العروس في قلب الطقس
رغم أن سكان القرية لا يتحدثون التركية، فإن العروس تُسمّى طوال أيام الزفاف 'كلينا' (عروس بالتركية)، وهي كلمة بقيت ثابتة في الطقس ولم تتغير مع الزمن.
وتؤكد ماشيفا أن العروس تبقى محور الاحتفال منذ اللحظة الأولى وحتى نهاية المراسم.
وضربت كاشيفا مثالا بزفاف قريب، قائلة: 'عروسنا هذا الأسبوع، سانييه بيتاريفا، من بنات ريبنوفو، ستتزوج من أحمد حسن، وهو من أصول تركية ويقيم في مدينة شومن'.
وأضافت ماشيفا أن موسم الشتاء وحده يشهد هذا العام نحو تسعة أعراس في القرية، وكلها تُقام وفق الطقوس ذاتها.
وتشرح ماشيفا أن الأعراس في ريبنوفو مكلفة جدا، ما يدفع كثيرا من الرجال إلى العمل طوال العام، داخل بلغاريا أو خارجها، خصوصا في قطاع البناء، لتأمين تكاليف الزواج.
وتابعت: 'ما يكسبه أهل القرية يعود إليها استثمارا وحياة أفضل، وهذا أحد أسباب بقاء ريبنوفو متماسكة اقتصاديا واجتماعيا'.
** الحنّاء واستعراض جهاز العروس
تنطلق الاحتفالات مساء الجمعة بطقس الحنّاء، حيث تقوم والدة العريس بإعداد الحنّاء وحملها إلى بيت العروس، وتُطلى بها كفّا العروس وأطراف أصابعها، في حفل نسائي، بينما يحتشد بقية أهل القرية في الساحة العامة للرقص والغناء لساعات.
في اليوم نفسه، تُعرض تجهيزات العروس، أو ما يُعرف بالجهاز، في أحد شوارع القرية، وتُصفّ الأغطية المطرّزة يدويا، والبطانيات، والأحذية الصوفية التقليدية، إلى جانب الأدوات المنزلية الحديثة كالثلاجات وأجهزة التلفاز والأفران، وفي بعض الأحيان، يمتد هذا العرض لمسافة تصل إلى مئة متر، ليشاهده جميع أهل القرية والضيوف.
** تبادل فطائر البورك
خلال أيام الزفاف الثلاثة، ترتدي نساء ريبنوفو أزياءهن التقليدية المطرزة المصنوعة بأيديهن، ويتشارك الجميع وجبات الطعام، فيما تستمر حلقات الرقص الشعبي على أنغام الموسيقى التي تُعزف مباشرة حتى ساعات الليل.
ومن أكثر الطقوس طرافة، بحسب ماشيفا، تقليد تبادل صواني فطائر البورك، فأثناء أي زفاف، تقوم النسوة لاسيما المخطوبات منهن، بإرسال عشرات، وأحيانا مئات، من صواني الفطائر المعروفة باسم البورك إلى بعضهن البعض.
وفي هذا الإطار قالت ماشيفا: 'اليوم فقط، سيتم إرسال 150 صينية بورك، ستُحمل سيرا على الأقدام من بيت العروس إلى بيت العريس، مع توزيع الفطائر على كل من يصادف الموكب'.
** الوجه الأبيض 'ولادة جديدة'
ذروة الطقوس تأتي مساء اليوم الثالث، حين يُطلى وجه العروس باللون الأبيض باستخدام كريم أو عجينة خاصة، ثم يُزيَّن بالخرز والترتر الملوّن.
ووفق المعتقد المحلي، فإن العروس في هذه اللحظة تولد من جديد كامرأة متزوجة.
ويلعب والد العروس دورا رمزيا بالغ الأهمية، إذ يدخل الغرفة ليُلبس ابنته عباءة تُعرف باسم 'فرِجه' أو 'مانتا'، غالبا ما تكون زرقاء أو سوداء، لتُعد العروس منذ تلك اللحظة متزوجة رسميا.
بعدها تُقاد العروس، وعيونها مغطاة، عبر ساحة القرية باتجاه بيت العريس، في مشهد يرمز إلى مغادرتها بيت العائلة وبداية حياتها الجديدة.
** على طريق التراث العالمي
لاعتزازهم به، تقول ماشيفا إن أهالي ريبنوفو يعملون حاليا على إدراج تقليد 'كلينا' ضمن قائمة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) للتراث الثقافي غير المادي.
وأشارت إلى أن طقوسا مشابهة تُمارس في قريتي سكريباتينو وأوسيكوفو في جبال رودوب (بلغاريا)، حيث يعيش مسلمون من أصول بلغارية، لكنها أكّدت في الوقت نفسه أن طقس ريبنوفو هو الأكثر اكتمالا وتفصيلا.
وختمت ماشيفا حديثها بالقول: 'نحن فخورون بتقاليدنا، هذا ليس مجرد زفاف، بل ذاكرة وهوية وحكاية قرية قررت أن تحافظ على نفسها كما هي، رغم كل ما تغيّر حولها'.













































