اخبار الاردن
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٤ تشرين الثاني ٢٠٢٦
لم يكن خطاب العرش السامي الأخير مجرد مناسبة دستورية لافتتاح دورة جديدة لمجلس الأمة، بل جاء رسالة وطنية واضحة المعالم، رسمت أولويات المرحلة المقبلة وحددت ملامح الطريق نحو مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.
وبين مختلف القضايا التي تناولها الخطاب، برزت قضية المياه باعتبارها التحدي الأكثر إلحاحاً والأولوية الوطنية التي لا تحتمل التأجيل. وعندما كرر جلالة الملك عبد الله الثاني عبارة «المياه، المياه، المياه» من على منبر العرش، لم يكن ذلك مجرد تأكيد لفظي، بل رسالة استراتيجية تعكس حجم التحدي الذي يواجه الأردن، وتؤكد أن الأمن المائي أصبح جزءاً لا يتجزأ من الأمن الوطني والاقتصادي والاجتماعي. فالأردن، الذي يُعد من أكثر دول العالم فقراً بالمياه، يواجه ضغوطاً متزايدة ناجمة عن محدودية الموارد المائية وتداعيات التغير المناخي والنمو السكاني المتسارع.
ومن هنا جاء التركيز الملكي على هذا الملف الحيوي باعتباره أساساً لأي مشروع تنموي أو اقتصادي مستقبلي.
ولا يمكن الحديث عن التنمية المستدامة بمعزل عن المياه، فهي شريان الحياة وركيزة الأمن الغذائي ومحرك رئيس للقطاعات الزراعية والصناعية والسياحية.
كما أن توفر المياه بكميات كافية وجودة مناسبة يشكل عاملاً حاسماً في جذب الاستثمارات وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.
وفي الوقت ذاته، أعاد خطاب العرش التأكيد على أن المواطن الأردني هو محور التنمية وغايتها. فالتنمية الحقيقية، كما أكد جلالة الملك، هي التي يلمس المواطن أثرها في معيشته وفرص عمله وتعليمه وعلاجه ومستقبل أبنائه. وهي رسالة تعكس رؤية تنموية متكاملة تضع الإنسان في مركز السياسات والبرامج الوطنية.
كما حمل الخطاب دعوة صريحة إلى تسريع تنفيذ المشاريع الوطنية الكبرى ضمن مسار التحديث الاقتصادي، بما يسهم في خلق فرص العمل وتحفيز النمو وجذب الاستثمارات. غير أن نجاح هذه المشاريع يبقى مرتبطاً بقدرة الدولة على توفير بنية تحتية مائية مستدامة وقادرة على تلبية متطلبات التنمية لعقود مقبلة.
ومن هنا، فإن الأمن المائي لم يعد مسؤولية المؤسسات الرسمية وحدها، بل أصبح مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب تكامل الأدوار بين الحكومة والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني والمواطنين. فترشيد الاستهلاك، والحد من الفاقد المائي، ودعم المشاريع الاستراتيجية، وتعزيز ثقافة المحافظة على المياه، جميعها عناصر أساسية لضمان استدامة هذا المورد الحيوي.
إن الرسالة الأبرز في خطاب العرش تتمثل في أن مستقبل الأردن لا يُبنى بالشعارات، وإنما بالتخطيط السليم والتنفيذ الفاعل والاستثمار الذكي في الموارد الوطنية.
وفي مقدمة هذه الموارد تأتي المياه، التي تشكل اليوم مفتاح التنمية وبوابة الأمن الاقتصادي وأحد أهم مقومات الاستقرار الوطني. ولعل المرحلة المقبلة تتطلب تسريع الجهود الوطنية الرامية إلى إيجاد حلول مستدامة لأزمة المياه، من خلال تطوير مشاريع التحلية، وتعزيز استخدام التكنولوجيا الحديثة في إدارة الموارد المائية، وتوسيع برامج إعادة استخدام المياه، إلى جانب ترسيخ ثقافة الترشيد باعتبارها سلوكاً وطنياً ومسؤولية جماعية.
لقد وضع جلالة الملك البوصلة بوضوح، وحدد الأولويات دون مواربة، مؤكداً أن التنمية المستدامة تبدأ من الإدارة الرشيدة للموارد، وعلى رأسها المياه.
وتبقى الفرصة الحقيقية أمام المؤسسات كافة هو تحويل هذه الرؤية الملكية إلى إنجازات ملموسة ومشاريع فاعلة يشعر المواطن بنتائجها في حياته اليومية، ليبقى الأردن نموذجاً في الصمود والبناء والتنمية رغم شح الموارد وكثرة التحديات.
* باحث في قضايا التنمية والبيئة












































