اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٧ شباط ٢٠٢٦
د. سوسن العتيبي
تختلف وتتفاوت وتتمايز تعريفات لفظ «المعنى» حسب معايير التعريف، كمقابلة «المعنى» بـ«اللفظ»، وكتفاوت مستوياته حسب المفردة والجملة والنظم، وكتمايز تعريفاته إن بوصفه نصّاً، أو من حيث هو محلّ عناية المُتكلّم، أو من جهة الاعتبار.. فضلاً عن دخول التعريفات الاصطلاحيّة حسب كل علم ومجال، وشبكة الألفاظ المترادفة من وجه، نحو: قصد، غاية، مراد، مفهوم..، وشبكة المتقابلات، وشبكة الألفاظ المصاحبة. وعند استحضار هذا المدخل أمام بعض النصوص والكتابات العلميّة، ووجود كثير من الضبابيّة في تحديد المراد من كلمة «المعنى»؛ فيمكن للقارئ أن يحيل هذه الضبابية، وبعض التناقضات، إلى حدود عامّة تلملم شتات المتفرقات، وتجمع المتباعدات، حتى ينطلق بعدها لتحصيل مراد الكاتب.
ومن ذلك دلالة «المعنى» الأساسية في كتاب «دراسات مُتشابه النظم في قصص القرآن الكريم: مقارنة وتحليل» لعبد الغني الراجحي (ت:1409هـ) رحمه الله تعالى؛ فهي دلالة أساسية في تعريفه لغرض المتشابه القرآني وفي القصص خاصّة، وأن التكرار تنويع لمعنى واحد لكل القصص المكررة، غير أنّها دلالة ضبابية، متقلّبة. فتارة يأخذها في تعريف غرضه الأساسي من «تكرار القصص» من حيث هو ظاهرة بيانية قرآنية، وهي: «تكرار المعنى الأصليّ الواحد بعباراتٍ مختلفةٍ ذات وجوه وأنواع مختلفة»، ولكنه قبل ذلك ردّ المقولة المقابلة بين «اللفظ» و»المعنى» التي ترد البلاغة إلى اللفظ، أمّا المعاني فملقاة على قارعة الطريق، وبعدها بصفحات جاء بخلاف ذلك؛ حينما استشهد بكلام ابن تيمية الذي أشار لسرّ التكرار على مستوى المقابلة بين «اللفظ والمعنى» وفق مستوى الدلالة، حيث شبّه تنوّع دلالات النظم بالأسماء المفردة، فالنبي صلى الله عليه وسلم له أسماء دالة على ذات واحدة، كمحمد، الحاشر، العاقب... كذا الحال في الجمل التامة والنظم، فقد تدلّ القصة على معانٍ بجمل، وتدلّ على معانٍ بجملٍ أخرى... وهكذا. فكتابه يثبّت وحدة المعنى، في حين اقتباس ابن تيمية يعدد المعانيّ! وعند النظر لتقلبات «دلالة المعنى» عنده، نجده استعمل أداة لغويّة، يتلوّن حسب فهمه، دون تحديد المفهوم، مما يوحي بتناقض مراده أول الأمر مع نصّ ابن تيمية.
وخروجاً من الشأن المنهجي الدقيق، وللدخول في رحاب التدبرات البديعة في كتابه، قدّمت بهذه المقدّمة لإشكالية دلالة «المعنى» عند الكاتب تعريفاً، واستعمالاً، وفهماً لغيره. لأطرق مسالك كتابه برسم لمعالم «المعنى» من جهتين: النصّ، والمتكلّم، فمن جهة النصّ بكل مستويات، وفق الدلالة الطبيعية، لكل أشكاله (المفرد، الجملة، النظم)؛ في دلالته على القصد، والغاية، والمُراد، والبلاغ... ومن جهة أنّ المعنى محلّ عناية المتكلّم يقابل به المفهوم، وبحسب المفهوم تُستخلص التدبرات. وبهذه المعالم يمكن رسم الخريطة الذهنية لهذا السِفر العظيم، تأملاً في وحدة القصّة (سمّاها المعنى)، وتنوّع دلالاتها حسب كل سورة، بقرائن لفظيّة، وجمليّة، وسياقيّة، وتفسيرية لبعض المواضع بأخرى. فهذه الوحدة اللفظيّة الجامعة للكتاب «المعنى»، بعد تحريرها تزيل إزعاج الضبابيّة، للتنعم مباشرة بفوائد الكتاب، وفق منهج المؤلف في جمع القصص القرآنيّ على ثلاث مراحل، تنوّراً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم»؛ مرحلة قصص ما قبل زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فقصص بعثته وأمّته، فقصص بعدها. ونصيب الكتاب الثلث الأوّل من القصص القرآني، مبيّناً تكرارها لأغراض (وإن لم يسمّها معنى، وربط المعنى بالوحدة)، تعرف بقرائن أسلوبية، وبلاغية، وسياقيّة، ونحويّة، وأحياناً نفسيّة، مفتتحاً وجهاً إعجازياً لمتشابه النظم في القصص القرآنيّ، دون غيره من المتشابه، وجامعاً في ذلك بين المتشابهين المعنويّ واللفظيّ، وكذا بين العبارة والإشارة، في توليفة بديعة، وإحالة لنصوص عدّة، يسدّ بعض فجواتها بتعليلاتٍ أُخر.
وفي المقال المقبل دخول مباشر للأمثلة التي طبّق عليها منهجيته، بعد استخلاص محلّ الإشكال فيها، وهو «ضبابية دلالة المعنى»؛ لا لرغبة النقد، وإنما لحاجة الوضوح، ومن ثمّ إعلاء شأن عمله بعد تحجيم قدر هذه الضبابية.










































