اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٥ حزيران ٢٠٢٦
أ.د. حمزة بن سليمان الطيار
لا يكابد الإنسان المكاره التي حفّت بها الجنة، ولا يتجنّب الشهوات التي حفّت بها النار إلا برحمة الله تعالى وتوفيق منه، ثم بصبر لا تلين فيه العزيمة، ولا يستكين للمصاعب، والمكلف يبقى مطالبًا في كل موقف ببذل جهده وطاقته فيما يتطلبه ذلك الموقف من الصبر والعقلانية، وعليه فالصبر خصلة مركزية في قواعد السلوك، لا يسوغ للإنسان أن يتهاون بها..
من حكمة الله تعالى ربط الأسباب بالمسبّبات، ولو شاء لانساقت الرغائب إلى الناس بلا أدنى كلفة، لكنه -لحكمته البالغة- جعل مصالح الدارين متوقّفة على جهود لا بدّ أن تبذل في تحصيل المفقود، وفي حفظ الموجود، فالإنسان لا يستطيع تحصيل منافع الدارين، ودفع مفاسدهما إلا بمكابدة المشاق، ومصداق ذلك قول الله تعالى: 'لقد خلقنا الإنسان في كبد'، قال بعض السلف: 'خلق حين خلق في مشقة، لا تلفى ابن آدم إلا يكابد أمر الدنيا والآخرة'، وهذه المكابدة لا ينجح فيها إلا من صبر عليها، ووطّن لها نفسه، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: 'حفّت الجنة بالمكاره، وحفّت النّار بالشهوات'، أخرجه مسلم، وهذا اختبار حقيقي، فلا يكابد الإنسان المكاره التي حفت بها الجنة، ولا يتجنّب الشهوات التي حفت بها النار إلا برحمة الله تعالى وتوفيق منه، ثمّ بصبر لا تلين فيه العزيمة، ولا يستكين للمصاعب، والمكلف يبقى مطالباً في كل موقف ببذل جهده وطاقته فيما يتطلبه ذلك الموقف من الصبر والعقلانية، وعليه فالصبر خصلة مركزية في قواعد السلوك، لا يسوغ للإنسان أن يتهاون بها، ولي مع مركزية الصبر وقفات تتمركز حول أقسام الصبر الرئيسة، وهي: الصبر على طاعة الله، والصبر عن معصيته، والصبر على النوائب والمصائب التي لا تنفك عنها الدنيا..
الوقفة الأولى: الصبر على طاعة الله تعالى، فلا يمكن الإتيان بالأوامر الشرعية إلا بالصبر على ما تحمله من التكاليف، وقد نبّه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك في بداية نزول الوحي عليه، فقد قال تعالى له في سورة المزّمل -وهي من أوائل السور نزولاً-: 'إنّا سنلقي عليك قولًا ثقيلًا'، قال بعض السلف: 'تثقل والله فرائضه وحدوده'، وما هذا الثّقل إلا لكون العبادة من حق الله تعالى على عباده وهو حقّ عظيم لا يسع المخلوقات استقصاؤه، فقد وصف الله تعالى ملائكته بقوله 'لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون، يسبّحون الليل والنهار لا يفترون'، ومع ذلك يعترفون بأنهم لم يعبدوه حقّ العبادة، فيقولون يوم القيامة: 'سبحانك ما عبدناك حقّ عبادتك'، كما ورد في حديث صحّحه الحاكم، ولكن الله تعالى تفضّل على المسلمين بإثابتهم على عبادته، وخفّف علينا في هذه الشريعة السمحة، فكانت تشريعاتها مصحوبة بالتيسير ورفع الحرج، كما قال تعالى: 'ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهّركم وليتمّ نعمته عليكم لعلّكم تشكرون'، وفي هذا التيسير تنبيه على وسطية واعتدال الشرع الحنيف، فالحرج مرفوع، ولا تكليف بما لا يطاق، فلم يكلّف فاقد الماء بالوضوء، ومع ذلك شرع له بديل عنه يعدّ طهرةً له، ثم إن الصبر على تحصيل المنفعة الدينية بتطبيق الأوامر، يوازيه الصبر على تحصيل منافع المعاش على الوجه المأذون فيه شرعاً ونظاماً، وإنما يصل إلى النتائج من صبر على مشقّة الوسائل، كما قال القائل:
لا تحسب المجدَ تمرًا أنتَ آكله
لن تبلغَ المجدَ حتّى تلعق الصّبرا
الثانية: الصبر عن المعصية، فالمعاصي تدعو إليها النفس الأمّارة بالسوء، ويغري بها الشيطان الذي أقسم ليغوينّ بني آدم إلا عباد الله المخلصين، وتتعلق بها مآرب عاجلة يفتتن بها أغلب الناس، فلا يتأتّى الانكفاف عنها إلا بتوفيق من الله تعالى، ثمّ بالصبر المستمر، لكن عاقبة الصبر عنها محمودة؛ وقد قال تعالى: 'إنّما يوفّى الصّابرون أجرهم بغير حساب'، والانكفاف عن المعاصي ليس حرماناً للنفس من المنافع، فالمنافع مباحة، وللمسلم فيها فسحة في كل ما رجحت فيه المصلحة المعتبرة شرعاً، أما المعصية التي يتخيلها الإنسان منفعة، فهي مضرّة، وفي تجنّبها مصلحة الدنيا والدين، وكما أن الإنسان يحقق مصالح معاده ويدرأ مفاسده بالصبر عن المعاصي، فيصلح معاشه بالصبر عن الأخطار والمحذورات الفكرية والحسّية، مع أنها مندرجة في المعاصي؛ إذ لا يأذن الشرع للإنسان في أن يقدم على ما يهدّد سلامته وسلامة المجتمع.
الثالثة: الصبر على المكاره والنوائب والمصائب التي تشوب الحياة، وهو من صميم الإيمان بقضاء الله وقدره، ومن مظاهر قناعة المؤمن أن الحياة الحقيقية هي الحياة الأخرى، وأن نجاته فيها بدخوله الجنة هي المكسب الأغلى، ومن ظفر به نسي متاعب الدنيا وأهوالها، ففي حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: 'ويؤتى بأشدّ الناس بؤسًا في الدنيا، من أهل الجنة، فيصبغ صبغة في الجنة، فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤسًا قطّ؟ هل مرّ بك شدّة قطّ؟ فيقول: لا، والله يا ربّ ما مرّ بي بؤس قطّ، ولا رأيت شدّةً قطّ'، متفق عليه، وكما تتحقق مصالح المعاد وتندرئ مفاسده بالصبر على المكاره، كذلك الحال بالنسبة للمعاش، فالإنجاز فيه يحتاج إلى صبر على المكاره التي تتمثّل في معاملات الناس وإيذاء المؤذين منهم، والشجاعة في مواجهة التحدّيات، وصدق من قال:
لَوْلَا الْمَشَقَّةُ سَادَ النَّاسُ كُلُّهُم
الْجُودُ يُفْقِرُ وَالْإِقْدَامُ قَتَّالُ..










































