اخبار الاردن
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٣ تشرين الثاني ٢٠٢٦
ثمة أوطان تعيش داخل حدود الجغرافيا، وأوطان أخرى تسكن في طبقات أعمق من التاريخ والوعي والذاكرة. وثمة دول تقيس قوتها بما تملكه من أدوات، ودول تدرك أن القوة الحقيقية تبدأ من قدرتها على فهم الزمن، واستباق تحوّلاته، وحماية المعنى الذي قامت من أجله.
وفي خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، هناك تحديدٍ لأولويات المرحلة، وقراءة في فلسفة البقاء، وفي الكيفية التي تحمي بها الدول جوهرها وسط عالم تتغير فيه موازين القوة، وتتسارع فيه التحولات، وتُختبر فيه صلابة المبادئ قبل صلابة الحدود.
في خطابه رسائل تتصل بأعمق طبقات الوعي الوطني؛ تبدأ من ذاكرة الشهداء، وتمتد إلى هيبة القانون، وكرامة المواطن، وأمن الموارد، وثبات الموقف العربي، وتنتهي عند ذلك الميثاق غير المكتوب الذي يجمع القيادة بالشعب.
ولعل استحضار شهداء الكرك في مستهل الخطاب لم يكن عودةً إلى ذاكرة الفقد فحسب، بل استدعاءً لمعنى التضحية الذي يمنح الوطن حرمته. فالشهداء لا يتركون خلفهم فراغاً في البيوت وحدها، بل يتركون سؤالاً أخلاقياً في ضمير الأحياء: ماذا نفعل بالأمانة التي دفعوا أعمارهم ثمناً لها؟ وكيف نحفظ وطناً كان بالنسبة إليهم أكبر من الحياة ذاتها؟
إن الإرهاب لا يستهدف جسد الدولة وحده، بل يحاول النيل من ثقتها بنفسها وزعزعة نسيجها الاجتماعي؛ ولذلك فإن مواجهته ليست معركة أمنية فحسب، بل معركة وعي وهوية وتماسك. فالجيش والأجهزة الأمنية يحرسون حدود الوطن وأمنه، فيما يحرس وعي المجتمع وحدته الداخلية، وتلك معادلة تجعل من أمن الأردن ثمرة تضحيات ومؤسسات وعقيدة وطنية راسخة.
وفي لحظة تتجاوز حدود البروتوكول السياسي، يقول جلالة الملك: «أيها الأردنيون.. شعبي وسندي».
هنا لا تقف العبارة عند حدود المخاطبة، بل تنفتح على معنى بالغ العمق؛ فالسند ليس من يقف خلفك في لحظات القوة فحسب، بل من يشاركك حمل أثقال المسؤولية، ويكون شريكاً في صناعة المصير. إنها صورة لعلاقة لا تقوم على المسافة بين القيادة والشعب، بل على الثقة المتبادلة، حيث يصبح الانتماء أكثر من رابطة عاطفية، ويغدو مسؤولية مشتركة عن مصير وطن.
وعندما يؤكد جلالته أن «صدر هذا الوطن وصدرنا رحب أمام كل رأي.. مخلص ومسؤول»، فإنه يضعنا أمام مفهوم متقدم للدولة الواثقة من ذاتها؛ فالدولة التي تخشى السؤال تضيق آفاقها، أما الدولة التي تحسن الإصغاء فتكتشف في الأسئلة فرصاً للإصلاح. ليس الاختلاف نقيضاً للانتماء، ولا النقد خصومة مع الوطن، بل إن المجتمعات الحية هي التي تمتلك شجاعة الحوار دون أن تفقد تماسكها.
لكن الحرية، في معناها الأرقى، ليست انفلاتاً من المسؤولية؛ ولذلك تكتسب عبارة جلالته عن «كرامة الكلمة وأدب الاختلاف» دلالة تتجاوز حدود التعبير إلى فلسفة التعامل بين البشر. أن تكون حراً دون أن تكون جارحاً، وصريحاً دون أن تكون ظالماً، ومختلفاً دون أن تجعل من الاختلاف معركة لإلغاء الآخر. فالكلمة ليست مجرد صوت يعبر الهواء، إنها أثر يبقى في الوعي، وقد تكون جسراً يصلح ما ابعدته المسافات، أو معولاً يهدم ما بنته سنوات من الثقة.
ومن حرية الكلمة إلى عدالة الدولة، تتجلى واحدة من أهم ركائز الخطاب: سيادة القانون. فالقانون ليس نصاً موضوعاً في الكتب، بل هو الفاصل بين مجتمع تحكمه الحقوق ومجتمع تتنازعه الامتيازات. وحين يصبح الحق أعلى من الاسم، والعدالة أرفع من المنصب، تكون الدولة قد وضعت خريطة المسار .
فالوظيفة العامة ليست امتيازاً يرفع صاحبها فوق الناس، بل أمانة تضعه في خدمتهم. والسلطة التي لا تخضع لمعيار أعلى منها تتحول إلى امتياز، أما السلطة التي تنحني أمام القانون فتصبح مؤسسة جديرة بالثقة. إن هيبة الدولة لا تُصنع بالخوف منها، بل باحترام عدلها.
أما التنمية، فهي الامتحان الذي تُختبر فيه صدقية الرؤية. فليس الإنجاز أن نضيف مشروعاً إلى قائمة المشاريع، بل أن نضيف حياةً إلى حياة الناس؛ أن يتحول الطريق إلى فرصة، والاستثمار إلى عمل، والتعليم إلى قدرة على صناعة المستقبل. فالتنمية التي لا تغيّر حياة الإنسان تشبه نافذة مرسومة على جدار؛ جميلة في صورتها، لكنها لا تسمح للضوء بالعبور.
وفي هذا السياق، يكتسب الأمن المائي دلالته الاستثنائية. فالماء ليس مجرد مورد، بل هو الزمن السائل للأوطان؛ به تستمر الزراعة، وتنهض المدن، وتُصان الحياة. وحين تصبح المياه أولوية استراتيجية، فإن الدولة لا تفكر في احتياجات يومها فقط، بل في حق الذين لم يولدوا بعد في أرض قادرة على احتضانهم. إنها مسؤولية تجاه مستقبل لا صوت له الآن، لكنه سيحاسبنا على ما نتركه له.
وعلى الضفة الأخرى من الوجدان العربي، تقف فلسطين بوصفها اختباراً أخلاقياً للضمير الإنساني. فالقضية الفلسطينية ليست تفصيلاً في السياسة الخارجية الأردنية، بل امتداد لموقف تاريخي لا يمكن فصله عن معنى العدالة والحق والكرامة. وما يجري في غزة، وما تتعرض له الضفة الغربية والقدس، يضع العالم أمام سؤال لا يمكن تأجيله: كيف يمكن للإنسانية أن تتحدث عن السلام وهي تغض الطرف عن الحقوق؟ فلا سلام يولد مكتملاً من أرض منزوعة الحقوق، ولا استقرار يُبنى فوق ذاكرة المظلومين.
ثم تأتي العبارة التي تختصر عظمة القيادة بوصفها مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون موقعاً سياسياً، حين يقول جلالة الملك: «وأهلي وعشيرتي أمانة في عنقي».
إنها عبارة تستحق أن تُقرأ خارج سياقها اللفظي المباشر؛ فالأمانة هنا ليست واجباً إدارياً أو تكليفاً دستورياً فحسب، بل معنى إنساني عميق، قوامه أن يكون الإنسان مسؤولاً عن الإنسان، وأن تكون القيادة حملاً للأمانة قبل أن تكون موقعاً في الدولة. فالأوطان لا تُدار بالأوامر وحدها، بل بضمير يدرك أن وراء كل قرار حياة إنسان، ووراء كل سياسة مستقبلاً، ووراء كل مسؤولية حقوقاً لا يجوز التفريط بها.
إن الثقة الوطنية لا تعني تشابه الآراء، بل اتساع البيت الأردني للجميع، وإدراك أن الاختلاف لا ينتقص من الانتماء، وأن المسؤولية المشتركة تعلو على المصالح الفردية. فالدولة لا تُبنى من أعلى وحده، ولا تُحمى من جهة واحدة، بل تتكامل فيها الرؤية مع التنفيذ، والقيادة مع المشاركة، والحرية مع المسؤولية.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يبقى بعد انقضاء الخطاب ليس فقط: ماذا قالت القيادة؟ بل: ماذا ينبغي أن نفعل نحن بما سمعناه؟ فالأوطان لا تنتظر من أبنائها أن يكونوا شهوداً على تاريخها فحسب، بل أن يكونوا شركاء في كتابته.
إن الأردن ليس مطالباً بأن يكون نسخة من أحد؛ له ذاكرته، وخصوصيته، وطبعه التاريخي، وقدرته على تحويل التحديات إلى مساحات للصمود. لكن الحفاظ على هذه الخصوصية يتطلب عقلاً لا يكتفي بالاعتزاز بالماضي، بل يمتلك شجاعة مراجعته، ووعياً لا يخلط بين الوفاء والجمود، وإرادة تعرف أن المستقبل لا يمنح نفسه لمن ينتظره، بل لمن يستعد له.
فالدولة لا تبقى لأن الزمن يتركها وشأنها، بل لأنها تتعلم كيف تواجه الزمن. والوطن لا يكبر باتساع حدوده، بل باتساع ضمائر أبنائه.
حفظ الله الأردن، وأدام عزّه وأمنه، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وجعل هذا الوطن عزيزاً بقيادته، منيعاً بجيشه وأجهزته الأمنية، متماسكاً بشعبه، ومضيئاً بإرادة أبنائه.












































