اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٢ تشرين الأول ٢٠٢٦
محمد الحمزة
الخوف والهلع ليسا مجرد مشاعر عابرة أو ضعف طارئ يصيب الأفراد، بل هما استجابات غريزية متأصلة في أعماق الدماغ سعيًا للبقاء والتحوط من الأخطار المحدقة والمجهولة، غير أن استمرار هذا الهلع وتحوله إلى حالة مزمنة قد يقوض طاقة الإنسان، ويستنزف مخزونه العاطفي والنفسي، ويُعيق قدرته على التفكير السليم واتخاذ القرارات الحكيمة في أحلك الظروف، وهنا تبرز القوة النفسية والصمود الكامن كدرع خفي وملاذ آمن للروح في مواجهة أقسى اختبارات الحياة وأشدها عتواً وشراسة.
الدماغ البشري يمتلك مرونة تُعرف بالمرونة العصبية؛ هذه الخاصية الفريدة تتيح للإنسان إعادة برمجة طريقة استجابته للمنبهات المرعبة عبر تفعيل قشرة الفص الدماغي المسؤولة عن التفكير العقلاني واتخاذ القرارات، للسيطرة على اللوزة الدماغية التي تُطلق إشارات الإنذار والهلع المستمر، بمعنى آخر فإن الصمود النفسي والتعافي ليس صفة جينية وراثية بل هي مهارة مكتسبة وعضلة عقلية يمكن تمرينها، تقويتها، وتطويرها بمرور الوقت من خلال الوعي والممارسات الواعية والمنظمة التي تبني متانة الشخصية وتزيد من قدرتها على مجابهة الصعاب.
لكي نتمكن من تجاوز هذا الخوف والهلع الجارف وقت الأزمات الكبرى وصناعة هذا الصمود الفعال والمستدام، يبرز الاحتواء المعرفي وإدارة تدفق المعلومات كأهم الخطوات العلمية التي تنظم استجاباتنا، حيث تتدفق الأخبار والمقاطع المؤلمة بلا توقف عبر الشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي، فيتعرض الدماغ لجرعات يومية زائدة من التوتر الثانوي والصدمات غير المباشرة. إن الحد من التعرض المستمر للمشاهد الصادمة، وتقنين وقت متابعة الأخبار العاجلة، يعيدان تنظيم النشاط العصبي ويقللان بشكل ملحوظ من مستويات هرمون الكورتيزول في الدم، مما يحمي الدماغ من الإجهاد النفسي المزمن ويمهد الطريق لاستعادة الهدوء الداخلي والسكينة النفسية.
يلعب تفعيل الترابط الاجتماعي والتعاطف المشترك دوراً محورياً في تعزيز المناعة النفسية وإحياء الأمل في الأوقات العصيبة، فالإنسان كائن اجتماعي بطبعه، والعزلة والتشرذم وقت الحروب يضاعفان أضعافاً مضاعفة شعور الخوف والهلع، فالدعم المتبادل، وتبادل الحديث الصادق، والشعور بأننا لسنا وحدنا في مواجهة العاصفة، يُحفز إفراز هرمون الأوكسيتوسين الذي يعمل كمضاد طبيعي للقلق، ويبني جداراً منيعاً من التضامن الإنساني الذي يمد الأفراد بالطاقة والصبر والأمان، وينشئ بيئة حاضنة تساعد على الشفاء الجمعي وتجاوز الأزمات.
التركيز على دائرة السيطرة المباشرة يُعد ركيزة أساسية في استعادة التوازن النفسي وإعادة بناء الذات؛ ففي أوقات الحروب والأزمات، يغرق الكثيرون في التفكير المستمر بكل ما هو خارج عن إرادتهم وسيطرتهم، مما يولد شعوراً بالعجز المُطلق والانهيار العاطفي، لذا لابد من التمييز الصارم والموضوعي بين ما لا يمكننا تغييره وما يمكننا التحكم فيه؛ كالحفاظ على الروتين اليومي البسيط، والاهتمام بالصحة البدنية والتغذية السليمة، وتقديم العون والمساندة الفعالة لمن حولنا بالسبل المتاحة.
الحروب بكل قسوتها ودمارها قد تهدم الحجارة وتغير جغرافية المكان وتسلبنا الكثير من مظاهر الحياة الظاهرة، لكنها لا تستطيع كسر إنسان أيقن أن القوة الحقيقية والإرادة الصلبة تنبعان دائماً من الأعماق.. إن الصمود النفسي لا يعني بأي حال انعدام الخوف أو إنكار المشاعر الإنسانية الطبيعية، بل يعني القدرة الشجاعة والمستمرة على المضي قُدماً رغم ارتعاش اليدين والقدمين، والبحث الدائم عن بصيص أمل ونور وسط عتمة الظروف وقسوتها. إن قدرتنا الاستثنائية على التكيف والتسامي فوق الآلام الجسدية والنفسية هي التي تضمن استمرار الحياة واستعادتها مجدداً مهما بلغت التحديات والخطوب.. يقول عالم النفس والطبيب النفسي الدكتور فيكتور فرانكل: 'حين لا نعود قادرين على تغيير موقف ما، فإننا نكون أمام تحدٍ لتغيير أنفسنا'.










































