اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٩ تشرين الأول ٢٠٢٦
د. بدر بن سعود
صفقات الإيجار الاستعماري، كشفتها سجلات مجلس العموم البريطاني ومكتب الإحصاء في مايو 2025 ضمن معاهدة جزر 'تشاغوس'؛ التي منحت لندن وواشنطن عقد إيجار لإدارة قاعدة 'دييغو غارسيا' العسكرية لقرابة مئة عام مع قابلية التمديد، على أن تلتزم بريطانيا بدفع 131 مليون دولار سنوياً لموريشيوس، بكلفة إجمالية قدرها 4.4 مليارات دولار..
اتفاقيات الامتياز البحري التي دخلت مرحلة التنفيذ المادي في يونيو 2026، بعد عامين من التجاذبات الدبلوماسية، كشفت عن ولادة نمط استعماري جديد يتوشح عباءة الاستثمار، وتحديداً بعد عقد الإيجار لمدة 50 عاماً، والذي مَنَحَ بموجبه ما يُعرف بإقليم أرض الصومال، غير المعترف به دولياً إلا من إسرائيل أواخر 2025، شريطاً ساحلياً على خليج عدن لصالح البحرية الإثيوبية، مع وعد بالاعتراف. ويحتفظ الإقليم بعلاقات استراتيجية مع أطراف دولية دون اعتراف رسمي، يأتي هذا في توقيت مقارب لتفعيل عقود السيطرة على موانئ كمبوديا وسريلانكا لحساب التمدد الصيني. والتوسع الجيوسياسي السابق، يعيد إلى الذاكرة اتفاقية بكين الثانية عام 1898، عندما انتزعت الإمبراطورية البريطانية عقد إيجار هونغ كونغ لمدة 99 عاماً، دون الدخول في معركة عسكرية واحدة. والمعنى أن مراكز النفوذ الدولي لم تعد مضطرة لإرسال البوارج لإخضاع الدول النامية، ويكفيها توظيف الإيجارات الطويلة، لتقويض مفهوم الدولة الوطنية وتحويل الموانئ إلى مستعمرات مقنعة؛ فالقانون الدولي المعاصر تحول بفعل صفقات الغرف المغلقة إلى أداة لشرعنة التنازل عن السيادة الجغرافية، وصياغة خرائط نفوذ تضع الاستقرار العالمي في مصيدة العقود الملغومة.
عقود الاستعمار الحديثة تصاغ بأسلوب يحول القروض المتعثرة، إلى وثائق تنازل طوعي عن السيادة الجغرافية. وكشف تقرير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في أبريل 2026 عن اكتمال العسكرة السرية لمشاريع البنية التحتية في كمبوديا وسريلانكا، لتتحول رسمياً إلى نقاط ارتكاز عسكرية مغلقة بالكامل أمام الحكومات الوطنية الموقعة للعقود. واللافت أن هذه الثغرات لم تفتحها المدافع، وإنما نظمتها بنود الاستبدال المالي التي تفرض على الدولة المستضيفة التنازل عن كل سلطة رقابية أو قضائية أو أمنية داخل محيط المنشأة.. ما يؤكد أن مفاصل الملاحة الدولية في آسيا والقرن الأفريقي تم تفخيخها بعناية، وأصبحت منشآتها الاستثمارية بفعل عجز الميزانيات جُزراً معزولة عن سيادة الدولة وخارجة عن السيطرة المحلية.
تقويض مفهوم 'الدولة الوطنية' عن طريق عقود السيطرة تُرجم بشكل مادي في شروط مبادلة الديون المتعثرة التي وصلت لمليار ومئة مليون دولار، وفرضت على سريلانكا التوقيع الرسمي لتسليم 70% من أصول ميناء 'هامبانتوتا' الاستراتيجي في صيغة عقد إيجار يمتد لقرابة مئة عام، مع تجريد السلطات من الولاية القضائية عليه. ويتقاطع ذلك مع الاستحواذ المالي على قاعدة 'ريام' الكمبودية، المؤمنة بحصانة تحظر على السلطات تفتيش السفن القادمة إليها أو فرض رقابة جمركية أو أمنية داخلها. وهو ما وثقته التقديرات الصادرة عن مشروع الإحصاء المالي والأمني الأميركي، والتي أثبتت أن 78% من عقود تمويل الموانئ النامية تحتوي على بنود سرية تمنح الجهات المقرضة حق التشغيل الإداري المطلق عند التعثر؛ ولعل اقتطاع الأراضي بغطاء القروض، جعل العواصم المستضيفة أشبه بكتيبة حراسة لمنشآت عسكرية تديرها دول أجنبية على أراضيها.
ما يحدث في عقود السيطرة يمثل انتهاكاً صارخاً لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، والتي تحولت بنودها المنظمة للولاية الجغرافية على السواحل إلى مظلة تشريعية تقنن الاستعمار التعاقدي المقنع. والذي تظهره معاهدات المحيط الهندي وبالأخص تنازل بريطانيا عن سيادة أرخبيل جزر 'تشاغوس' لموريشيوس، بشرط توقيع عقد إيجار ملزم يمنح قواعدها المشتركة مع واشنطن حق إدارة قاعدة 'دييغو غارسيا' البحرية لقرابة قرن. ولاحظ تقرير مركز الأبحاث الاستراتيجية في مايو من العام الجاري أن معاهدات السيطرة جرّدت القانون الدولي من قدرته على الفعل، لأن المنظومة الدولية الحالية لا تستطيع منع الدول من تسييس القوانين أو من إقامة قواعدها في أراضٍ أجنبية بحجة الاستثمار؛ وبالتالي فإن الرهان على هذه الاتفاقيات سيؤدي حتماً إلى الإضرار بالسيادة الوطنية.
في المقابل، مازالت الدول العربية تمارس دور المتفرج السلبي، وتكتفي بإصدار بيانات التنديد من الجامعة العربية، فالثابت أنها لم تفعل شيئاً أمام تفعيل عقد إيجار ساحل أرض الصومال لإثيوبيا، ولم تتخذ إجراءات لحماية عمقها المائي في البحر الأحمر وخليج عدن. وما سبق يكشف بوضوح عن وجود اختراق في منظومة الأمن القومي العربي، وأهمية قيام المملكة بتأسيس 'مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن' في عام 2020، ليعمل كحائط ردع استراتيجي لحماية أمن العرب القومي ومشاريعهم الساحلية الكبرى من تداعيات هذا الاستعمار التعاقدي، إلا أن استمرار سلبية بقية العواصم العربية أمام ما يحدث سيجعل المنطقة مسلوبة الإرادة، وسيؤدي إلى إدارة منافذها بقوانين تصدرها دول أجنبية ترغب في الاستحواذ على منافذها الاستراتيجية.
صفقات الإيجار الاستعماري، كشفتها سجلات مجلس العموم البريطاني ومكتب الإحصاء في مايو 2025 ضمن معاهدة جزر 'تشاغوس'؛ التي منحت لندن وواشنطن عقد إيجار لإدارة قاعدة 'دييغو غارسيا' العسكرية لقرابة مئة عام مع قابلية التمديد، على أن تلتزم بريطانيا بدفع 131 مليون دولار سنوياً لموريشيوس، بكلفة إجمالية قدرها 4.4 مليارات دولار. ولم تقف فداحة البنود عند الاستلاب الجغرافي، ولكنها تطورت لدرجة التهجير والنفي القسري لـ2000 مواطن من سكان جزر تشاغوس الأصليين، وتحويل أرضهم لنقطة انطلاق عسكرية عمياء للقاذفات الأميركية التي ضربت العراق وأفغانستان، وفقاً لوثائق الأرشيف الوطني البريطاني وسجلات قيادة القوات الجوية الأميركية. وهذا يشير إلى أن مراكز النفوذ الدولي لم تعد تشتري الجغرافيا بالقوة العسكرية التقليدية، وإنما بواسطة عقود الامتياز الطويلة، وهو نفس ما تقوم به عواصم مجاورة في فرض سيطرتها على موانئ ومنافذ بحرية مهمة في جنوب اليمن، وجمهورية جيبوتي، وما اصطُلح على تسميته بإقليم أرض الصومال، وبما يجعل هذه الاتفاقيات بمثابة غطاء قانوني يبرر تقسيم الدول وولادة مستعمرات تعاقدية تُدار بقرار خارجي.










































