اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ٢٩ تموز ٢٠٢٦
يبدو لي أن حسن بحراوي ابتدأ بسؤال ( ChatGPT) عن جيرار جنيت، ودوره في النقد الروائي، خلال المرحلة البنيوية، ثم انتقل إلى حضوره في النقد المغربي، وانتهى بالحديث إلى أهمية كتابة التجربة النقدية المغربية. كان الحوار طويلا وعميقا ومثمرا، ويعبر عن وجهات نظر موضوعية بناء على شهادات حية من بحراوي، ومعلومات دقيقة يقدمها الذكاء الاصطناعي في ضوء ما توفر لديه من بيانات عن جيرار جنيت، والنقد السردي المغربي، وعلاقته به، وأثره في النقد العربي.
ابتدأ تشات جيبتي بقوله: «يُعدّ جيرار جنيت أحد أهم منظّري السرد في القرن العشرين، وربما أكثرهم تأثيرا في تأسيس علم السرد (Narratology) وإذا كان رولان بارت قد فتح آفاق التحليل البنيوي للنص، فإن جنيت منح هذا التحليل أدوات دقيقة ومنهجا صارما، خاصة في دراسة الرواية». وبمقارنته بينهما، يوضح: «لقد كان جيرار جنيت ورولان بارت، ينتميان إلى الجيل نفسه تقريبا، وعملا في المؤسسات الأكاديمية الفرنسية نفسها، وشاركا في الندوات واللجان العلمية، وأسهما معا في ترسيخ ما سُمّي بـ»الشعرية» و»السرديات». وكان كل واحد منهما يقرأ أعمال الآخر باهتمام واحترام. لكن شخصيتيهما كانتا مختلفتين: فـبارت كان كاتبا متوهجا، يميل إلى التجريب، ويكتب بأسلوب أقرب إلى الأدب منه إلى البحث الأكاديمي. كان ينتقل باستمرار من السيميولوجيا إلى النقد الثقافي، ثم إلى التأمل الذاتي». لكن: «جنيت كان أكثر هدوءا وانضباطا، يميل إلى التصنيف، والتدقيق المفاهيمي، وبناء الأجهزة النظرية. فإذا كان بارت يفتح الأبواب، فإن جنيت كان يرتب الغرف داخل البناء». ويضيف مؤكدا تجاوز جنيت البنيوية بقوله: «ومع ذلك، فإن جنيت نفسه لم يكن أسيرا للبنيوية الصارمة. ففي كتبه المتأخرة، ولا سيما Seuils وPalimpsestes، اتجه إلى دراسة العلاقات بين النصوص والوظائف الثقافية للعناوين والمقدمات والإهداءات والهوامش، أي ما سماه العتبات النصية، وهو مجال لا يزال غنيا إلى اليوم».
يتحول الحديث إلى النقد المغربي، وأثر جنيت فيه، «وأظن أن ما قد يهمك أكثر، بالنظر إلى اهتمامك بالنقد السردي المغربي، هو سؤال تأثير جنيت في النقاد المغاربة. فقد كان حضوره واضحا في أعمال عدد من الباحثين، وفي مقدمتهم سعيد يقطين وعبد الفتاح كيليطو وحسن بحراوي، وإن كان كل واحد منهم قد استثمر مفاهيمه بطريقة مختلفة، ولم يكتفِ باستنساخها. وإذا رغبت، يمكنني أن أفرد حديثا خاصا عن تأثير جيرار جنيت في النقد المغربي، مع الوقوف عند كيفية توظيف مفاهيمه في أعمال حسن بحراوي وسعيد يقطين، بل أذهب إلى أن تأثير جيرار جنيت في النقد العربي، وخصوصا المغربي، كان أعمق من تأثير كثير من البنيويين الفرنسيين الآخرين، لأن مشروعه قدّم أدوات إجرائية يمكن تطبيقها مباشرة على النصوص السردية. في المغرب، خلال ثمانينيات القرن الماضي، أصبحت مفاهيم مثل: الزمن السردي، والتبئير، والصوت السردي، والعتبات النصية، والتعالي النصي جزءا من لغة النقد الجامعي. وقد أسهم ذلك في انتقال الدرس الأدبي من الانطباعية إلى التحليل المنهجي. ولم يكن الأمر يتعلق بمجرد تلقي جنيت، بل بإعادة إنتاجه داخل النقد المغربي». وينتقل بعد ذلك إلى التمييز بين «تجربتين مختلفتين، وإن كانتا تنطلقان من المرجعية نفسها.
أولا: سعيد يقطين
كان اهتمام سعيد يقطين منصبا على بناء نظرية للسرد العربي تستفيد من جنيت ولا تكتفي بشرحه. لذلك نجد في كتبه، مثل تحليل الخطاب الروائي وانفتاح النص الروائي، توظيفا واسعا لمفاهيم جنيت: الزمن، والتبئير، والصوت، ومستويات السرد. لكنه حاول أيضا أن يكيفها مع السرد العربي القديم والحديث، وأن يربطها بالسرديات المعاصرة وبالتحولات الرقمية في أعماله اللاحقة. إذن، كان جنيت بالنسبة إليه منطلقا لا غاية.
ثانيا: حسن بحراوي
أما حسن بحراوي، فأرى أن علاقته بجنيت اتخذت منحى مختلفا. فقد استثمر الأدوات السردية الجنيتية، لكنه كان أكثر انشغالا بالنص الروائي نفسه، أي بكيفية اشتغال الزمن والفضاء والشخصيات داخل الأعمال الأدبية، أكثر من انشغاله ببناء نظرية عامة. ولهذا اكتسبت قراءاته طابعا تطبيقيا واضحا؛ إذ لم تتحول مفاهيم جنيت عنده إلى مصطلحات جامدة، بل إلى أدوات للكشف عن جماليات النصوص المغربية والعربية.
وبعد أن تحدث بحراوي عن النقد الروائي المغربي، واستحضر دور أحمد اليبوري ومحمد برادة، ومجلة «آفاق» وغيرها من التجربة المغربية، كان التعليق التالي: «وأعجبتني أيضا ملاحظتك الأخيرة، لأنها دقيقة تاريخيا. فالإشعاع لم يكن في اتجاه واحد من باريس إلى الرباط، بل أصبح، ابتداء من منتصف الثمانينيات، يمتد من المغرب إلى المشرق. وقد بدأ الباحثون في مصر وسوريا والعراق وتونس يقرأون أعمال النقاد المغاربة، ويستشهدون بها، لأنهم وجدوا فيها شيئا لم يكن موجودا في الترجمات وحدها: إعادة بناء للمفاهيم داخل اللغة العربية، وتطبيقا حيا لها على النصوص العربية». ويستنتج من وراء ذلك مضيفا: «وأسمح لنفسي بإضافة ملاحظة قد تتفق أو تختلف معها. يبدو لي أن ما ميّز التجربة المغربية عن كثير من التجارب العربية الأخرى هو أنها لم تكتفِ باستهلاك النظريات الفرنسية، بل كوّنت مدرسة نقدية. فالمدرسة لا تُقاس بكثرة المترجمين، وإنما بوجود أساتذة يؤسسون للتكوين، وطلبة يتحولون إلى باحثين، ثم إلى مؤلفين، ثم إلى مؤطرين لجيل جديد».
أستخلص من هذا الحوار موقف الذكاء الاصطناعي من جنيت، فهو لم يحصره في البنيوية فقط، ولكن أيضا في ما بعدها. وفي تقييمه للتجربة المغربية كان دقيقا في تقديم صورة شاملة، ودعا في النهاية إلى ضرورة اشتراكي وبحراوي في الكتابة عن التجربة النقدية المغربية وخصوصيتها. ولما تدخلت في الحوار مبينا أن تناول التجربة موزع بين العديد من كتبي، أبرز أن تعريف الأجيال الجديدة بها يجعلها أكثر وضوحا، لأن القراء ليسوا جميعا على درجة واحدة من تمثل خصوصيتها وغناها وخصوبتها.












































